" ياسمين عطر البلاد " قراءة في المجموعة القصصية ياسمين للكاتبة إسراء العبوشي

ديرتنا نيوز

ديرتنا الاخبارية - عمّان
بقلم : سعاد شواهنة
ياسمين مجموعة قصصية صادرة عن دار الشامل للنشر والتوزيع للعام 2017 للكاتبة إسراء العبوشي، وتقع المجموعة في 162 صفحة من القطع المتوسط ، وجاءت مقسمة إلى أربع قصص هي : ياسمين، افترق شملنا، أسطورة الحب، المعزوفة الأخيرة.
أصدرت الكاتبة مجموعتها بعد أن اجتازت مراحل عديدة من الترقب، القلق، الانتظار، والتفكير: هل الوقت بات سانحا لتقديم عمل أدبي خاص موسوم باسمي، وهل لدي ما يستحق أن أشاركه للآخرين.
اللغة القصصية:
جاءت اللغة القصصية للعمل الأدبي واضحة متسلسلة، وقد راوحت الكاتبة بين الأفعال الماضية والمضارعة، حيث كانت تهتم باستخدام صيغة المضارع في الحديث عن المشاعر، والأحاسيس، بينما استخدمت الفعل الماضي للاسترجاع، واستيراد التاريخ والماضي، وقد وظفت الصور الفنية والفنون البلاغية في إنتاج لغة فنية قصصية شائقة، شائكة.
مجموعة قصصية بنكهة روائية:
المجموعة القصصية ياسمين مجموعة عابقة بعطر البلاد، إذ لا تكاد قصة من القصص تخلو من نكهة فلسطينية، بكل ما تحمله فلسطين بين ثناياها من الألم، القهر، المرارة، والوجع، والأمل، والمحبة، والانتظار، والحلم.
وقد اعتمدت الكاتبة على نهج سردي يقارب الأسلوب الروائي، إذ عمدت إلى تعزيز الحدث والسير باتجاه توسعة مساحة القصة زمانيا ومكانيا، وتوسيع مساحة العلاقات بين شخوص القصة، بيد أنها لم تهتم ببناء شخصيات القصص، فلا نلاحظ وجود شخصيات نامية تنمو و تتطور، وتجدد تفكيرها خلال الزمن القصصي،كما أنها لم تظهر ملامحها، ولم تكشف أسلوب تفكيرها، ولم تعزز الحوار الداخلي لشخصيات القصص. وقد كانت الكاتبة دقيقة في استخدام تقنيات السرد حيث لم تعمد إلى رواية جذور الشخصيات باستثناء ما يخدم القصة ويعزز الحدث، ففي قصة ياسمين حيث كنا قادرين على بناء شخصيات تراكمية والتعرف على تاريخها بما يخدم القصة، ويساهم في سرد القضية الفلسطينية، والمراحل التاريخية فيها، وكيف أثر التغير النضالي على البنية الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني.
الحب معادلتنا الخاسرة:
كان الحب الحاضرة الغائبة في القصص الأربعة التي قدمتها عبوشي، الحب كان يطوف في أرجاء القصص كالشبح، فلا نراه تماما، ولا يتمثل لنا في حركة الشخوص، الشخوص لم تقل كلمات الحب،وتتبادلها في حوار حقيقي مباشر، كما أنها لم تبادر في التعبير عن الحب فعلا: بالعناق مثلا – ربما قصدت الكاتبة من ذلك أن تقدم نموذجا للبيئة الفلسطينية المحافظة- لكن روح الحب ظلت تطوف بالأمكنة، فسامر يحب مرام الفلسطينية التي تعيش في الأردن، وهي وعائلتها لا تستطيع القدوم إلى فلسطين لعدم حصولهم على لم شمل، وقوانين الاحتلال، وسعاد تحب عمر إثر زواج تقليدي وتعيش سنوات انتظار بعد اعتقاله وسجنه ثلاثون عاما في سجون الاحتلال،وأمل تحب عمر، وياسمين تحب أبو الفداء، ورغم أن حب النساء الأربعة وقولبهن جاءت في سياق ردة الفعل، إثر زواج تقليدي، نظرة، كلمة، فهي تلمح طيف حب في جفون رجل تقسو شفاهه فلا يبادر ولا يتكلم، فتنذر نفسها للحب، وترهن روحها لأجله،ففي الوقت الذي فكر فيه سامر في الابتعاد، رهنت مرام نفسها سجينة في حدود الضفة الغربية، لا تستطيع مغادرتها، ولا التنقل من مدينة إلى أخرى.
سعاد تقضي ثلاثين عاما في انتظار من تحب، ليقدمها قربانا للقبيلة ورغباتها ويفتش لنفسه عن حياة في روح امرأة أخرى قد تمنحه طفلا يقدم له الخلود الاجتماعي، وكذلك أمل تتلقى صفعة الحب بعد أن خضع عمر لرغبات القبيلة وتزوج ابنة عمه، وأدار ظهره لقلبه. هكذا لم يبد الحب في هذه القصص حالة عادلة، أو معادلة متوازنة، وكأن نساء هذه القصص تمضغ شفاهها قائلة:( الحب معادلتنا الخاسرة) ومع كل وعيها تبقى على متن الحب.
نساء برسم الخذلان:
تلقت بطلات القصص صفعات متنوعة باسم الحب، وتحت طائلته: كالنفي، الهجر، التخلي، الإقصاء، الإبعاد، ولكننا لم نجد إسراء تبني شخصيات عدائية لأبطالها، وقد بقيت كل واحدة منهن تحب باستسلام، ولا تجد روحا صافية تشاطرها الوفاء ذاته، وقد أجادت إسراء حين عرضت النساء على هذا القدر من التسليم، إذ لم تسول النفس لأي واحدة منهن بأن تحدث نفسها سرا فتعاتب الحب والحبيب، أو تشكو في سرها هذا الخذلان وتلك الصفعات المتلاحقة، وقد يكون هذا إمعان في الواقعية، وربما هي وسيلة لقرع ناقوس الخطر، فهناك الكثير من الجرائم الناعمة التي تمهر باسم الحب.
هي روح الحكاية:
جاءت القصة الأخيرة ياسمين لتحمل فلسطين عنوانا كبيرا تنضوي الأحداث تحت سقفه،وعلى غير القصص الأخرى كانت فلسطين روح الحكاية ومركزها وليس شخوص القصة، وهذا بسبب اتساع االزمن القصصي الذي تغطيه القصة، حيث تسير من الانتفاضة الشعبية 1987 وتعرض جوانب عديدة كالنضال، والحياة في الجبال، والتصدي للجاسوسية، وتنفيذ عدد من عمليات الإعدام، ثم الانتفاضة تأكل نفسها، والانتقال إلى الحكم الذاتي، والتسويات، والوصول إلى الانتفاضة الثانية، والنضال بأسلوب جديد، وحالة الجدال المحلي حول آليات النضال بين انتفاضتين، وكلا الانتفاضتين تمت قيادتهما وتوجيههما من خارج فلسطين، في المرة الأولى بأيدي فلسطينية، وفي الثانية بأياد من توجهات وقوميات مختلفة وبقرابين فلسطينية .

سعاد شواهنة

أضف تعليق


لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر، وجميع المقالات والتعليقات لا تعبر عن وجهة نظر الموقع