الأردن : عن الأمراء الثلاثة الذين أحيلوا على التقاعد

ديرتنا نيوز

عمّان - ديرتنا
بقلم : د.فطين البداد
لعل ما يشهده سوق الشائعات هذه الأيام من رواج في بعض الأوساط الساذجة يشي بأن طوابير خامسة لا زالت تذرع الأمكنة جيئة وذهابا وفي كل الإتجاهات ، بغية نشر الفتنة ، وبث روح الهزيمة ، وبالتالي ، حرف الناس عن وجهتهم الحقيقية وقضيتهم المركزية العربية والأسلامية ، وهي القدس الشريف .

فالدعايات المغرضة التي تبثها إسرائيل وممن يلبسون طواقي الإخفاء لم تبدأ بمزاعم تحركات وحراكات داخلية ضد الدولة الأردنية سبقت الإحالات على التقاعد الأخيرة ، بل تم التمهيد لذلك بقضايا تبدو للوهلة الأولى أقل أهمية ، وإن كانت تصب في نفس الغاية وذات الهدف .

في البداية ، طير الإعلام الأسرائيلي أخبارا عن اتفاق أردني - أسرائيلي ، فحواه إعادة السفيرة الإسرائيلية وفتح السفارة في عمان دون محاكمة القاتل المجرم ، زاعمة بأن الأردن وافق على ذلك شريطة دفع تعويضات لذوي الضحايا من الأردنيين ، الأمر الذي نفاه الناطق الرسمي في حينه ، لتعود الصحافة الإسرائيلة وبعد أكثر من شهرين بإعادة بث هذه المزاعم ، ما دفع الحكومة إلى نفيه مجددا في صورة أظهرت بأن الكيان العبري يريد اللعب بنا على طريقته ، وهو لن يتوقف بالمناسبة ، كما تزامن ذلك مع ضغوط مورست على الأمير زيد بن رعد المفوض الأممي الأعلى لحقوق الإنسان - وهو أردني على كل حال - لثنيه عن الترشح لولاية ثانية بعد فضحه جرائم إسرائيل ضد الفلسطينين العزل وتهديده بوضع 150 شركة إسرائيلية على اللائحة السوداء للمنظمة الدولية بسبب تعاملها مع منتوجات المستوطنات في فلسطين المحتلة حيث كتب في رسالة على مواقع التواصل : " قررت عدم الترشح لولاية ثانية مدتها أربع سنوات ، إذ إن الإقدام على ذلك في الظروف الجيوسياسية الراهنة قد يتطلب الركوع والتوسل وتقليص استقلالية صوتي الذي هو صوتكم ونزاهته " .. وأيضا ما شهدناه قبل أيام من شكوى تقدمت بها محكمة الجنايات الدولية ضد الأردن في مجلس الأمن ، بزعم أنه لم يمتثل لقرارها ويقوم باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير إبان قمة عمان الأخيرة ، ناهيك عن تهديدات كثيرة غير معلنة بالتأكيد .

وسبق هذا الزعم أو تزامن معه هجوم شرس من قبل بعض الموتورين في الليكود الصهيوني والذي هاجم الأردن مدعيا أننا شعب " جوعان " وإن الكيان هو الذي يطعمنا ويسقينا ، وإن إسرائيل ستنسحب من مشروع ناقل البحرين ، بسبب السياسات الأردنية المعادية بعد جريمة السفارة ، وما إلى ذلك من تخرصات ، وهو أمر ألزم رئيس الحكومة الدكتور هاني الملقي أن يرد عليه تحت القبة كاشفا أن مشروع قناة البحرين وارد اصلا في اتفاقية المياه من ضمن معاهدة وادي عربة ، لنقع مرة أخرى في حبائل الكيد الصهيوني الخبيث والذميم والمستمر ، أما نكنة أنه يطعمنا ويسقينا فلم يرد عليها أحد ، مع أن اتفاقية وادي عربة سيئة الذكر تلزم الكيان بمنحنا ملايين الأمتار المكعبة من بحيرة طبريا ، وهي مياه أردنية لمن لا يعلم ، ذلك أن المياه التي تتساقط من الجبال الأردنية تستقر في البحيرة ، وهو نص واضح ووارد في الإتفاقية المشؤومة إياها .. وعما قليل يجتمع الليكود لإقرار ضم الضفة الغربية المحتلة ، وما يعنيه ذلك من تداعيات .

وقبل أيام نشر الإعلام العبري تقريرا عن لقاءات جمعت مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين في الصين من أجل التمهيد للبدء بالمحادثات السلمية ، رغم الخطوة الأمريكية في نقل السفارة ، وهذا أمر أرادت منه إسرائيل دق إسفين بين الأردن والسلطة لتمييع قضية القدس لدى الشعبين وبالتالي للعالمين العربي والإسلامي فسارع الفلسطينيون إلى نفيه .

وكان آخر تقليعات الطابور الخامس من بين ظهرانينا هذه المرة ، عندما زعم بأن الإحالات على التقاعد الأخيرة كان سببها تحركات ضد الدولة الأردنية وقيادتها ، وهو ما يعتبر أمرا مضحكا تلقاه الأردنيون بسخرية وإن كان مستفزا ، مع أن هذه الإحالات ، بمن فيها الأمراء الثلاثة ، جاءت لإعادة الهيكلة في القوات المسلحة ، وهو أمر طبيعي يحدث في كل جيوش العالم .

ماذا تريد إسرائيل وأبواقها من الأردن ؟؟

تريد في المرحلة الأولى والثانية والثالثة والعاشرة وطنا بديلا يشطب الكيان الأردني من أساسه مبتدئا بخلق بلبلة جديدة في المنطقة لن تنتهي آثارها لعشرات السنين ، ولن تفتح الصفحة الأولى من هذه المخطط الصهيوني القديم إلا إذا تم إذكاء أراجيف وفتن داخلية في الأردن لا تبقي ولا تذر ، يتم خلالها خلق واقع جديد في فلسطين المحتلة ، من خلال ضم الضفة وإلحاق المستوطنات بالكيان ، بعد أن تكون قضية القدس قد طواها النسيان بحكم مستجدات تفرض نفسها بنفسها .

ولأن الأردن يشهد إعادة هيكلة حقيقية طال انتظارها في كل المجالات والأجهزة بما فيها القوات المسلحة ، لأسباب اقتصادية وموضوعية وطبيعية ، فإن على الأردنيين جميعا في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة أن يكونوا يدا واحدة ضد كل عابث وكل مرجف ، وحذار حذار من أن يترك كل فرد منا ثغرة في الجدار ، لأن الوطن كله قد يؤتى منها على حين غفلة من صاحبها .

المطلوب مزيد من الوعي العميق لما يخطط لهذا البلد من أعدائه البعيدين والقريبين ، والمطلوب - كذلك - أخذ الإحالات الأخيرة على التقاعد كخطوات طبيعية في بلد يبحث عن التحديث في كل شيء تمشيا مع الحداثة بكل أبعادها ومتطلباتها ، والمطلوب قبل كل شيء وبعده التمسك بالوحدة الوطنية والإلتحام مع الدولة والقيادة لاستدامة التصدي لمخطط تهويد القدس التي هي رأسمال كل شريف في هذه الأمة بمسلميها ومسيحييها ، فالعدو شرس وقذر ، وهو لا يزال في القرن الحادي والعشرين يعيش على دماء الآخرين ودمار أوطانهم ، وعلى أساطير وخرافات سبق وكتبها جلجامش السومري قبل 2500 عام من ظهور هؤلاء " الحثالة " .

إسألوا التاريخ !.

د.فطين البداد

أضف تعليق


لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر، وجميع المقالات والتعليقات لا تعبر عن وجهة نظر الموقع