قراءة عميقة صامتة لكلمة الدكتور نزار يونس خلال افتتاح اعمال المؤتمر الشبابي السابع

ديرتنا نيوز

ديرتنا - بقلم سوسن المبيضين - في كلمة جريئة , لها دلالا ت عميقة , وواضحة , خلال افتتاح أعمال المؤتمر الشبابي السابع الذي نظمه منتدى الفكر العربي ,تحت رعاية سمو الامير الحسن , اوضح المفكر البارز والسياسي اللبناني الكبير , الدكتور نزار يونس, اهمية التعامل مع الحداثة التي اصبحت سيف دو حدين , فبدلا من أن تكون الممارسة علمية، وسليمة لا تبتعد عن القيم وعن الحضارات والثقافة العربية , فقد وضعت العرب امام اشكالية ، يتعاظم خلالها الخطر الذي يهدد المجتمعات الإنسانية في خصوصياتها الثقافية والحضارية ، وفي أمنها الفكري والعقائدي وفي هويتها الوطنية وثقافتها القومية . ، فالغاية التي يسعى إليها قادة الانظمة الانتهازية , هي محو الهويات ومحاربة التنوع الثقافي ، والعمل على انسلاخ الأمم والشعوب عن مقوماتها ، لتندمج جميعاً في إطار النموذج الأقوى, وصاحب المصلحة في بقاءه مسيطرا ومهيمنا على الشعب .
يونس: "كان لا بد للكيانات السياسية الناشئة في دنيا العرب، أن تتعامل مع الحداثة، التي دخلت من دون استئذان، وأن تبادر لبلورة الأفكار الوافدة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، بغية تفادي الخلل والتباين في أنماط التطور المتسارع لمقومات الحياة المادية، من جهة، وفي ركود تطور الفكر والقناعات، من جهة أخرى. غير أن الطغم العسكرية والانتهازية، التي اغتصبت السلطة في الدول الفتية، وجدت في مجريات التحديث، ستارة قشرية صالحة للتوظيف، لتفتيت النسيج الاجتماعي الراسخ، ولإفراغ المجتمعات من قيمها ودفاعاتها، بغية استباحتها وإقصاء نخبها واستبدالها بالأنصار وبالقيم التدميرية التي يجسدها الحاكم وأتباعه وزبانيته وأجهزته القمعية".
أضاف: "في واقع الأمر، جسدت إجراءات التحديث معاداة المنطق والعقل، وجنوحا بائسا لاستبدال الحضارة العربية بأبعادها الروحية والإنسانية، بواحد من شرين: فإما خطاب الأنظمة المتمحور حول اجتماع متخيل أملس ومنصهر لا نتوءات فيه ولا تضاريس، وإما الخطاب الدوغمائي المتزمت الذي تروج له الجماعات السلفية مراوغة او عن اقتناع، لإحياء هويات ماضوية إقصائية متصارعة وقاتلة. من المؤسف أن انكفاء المثقفين والفكر النقدي قد ساعد على تفشي هذين الخطابين، وإمعانهما في تدمير التاريخ والجغرافيا والفكر والعروبة والدين :
ووصف  يونس حال الامة العربية بفاقدي الهوية العربية بعد أن كانت منفتحة وسمحة فقد حولتها الانظمة العربية من حالة التوازن الى حالة الصراع والتناحر *
"يونس : نحن اليوم شعب بلا هوية. كانت دنيا العرب، وعلى امتداد مساحتها -الأربعة عشر مليون كيلومتر مربع- المسرح الأرحب للروافد الغنية التي شكلت حضارة البشر، منذ فجر التاريخ. فهي لم تنشأ من عرق واحد أو لغة واحدة أو ثقافة خاصة، بل كانت العروة الجامعة لأقوام هذا الشرق المتنوع الاستلهامات: السومرية والبابلية والأشورية والفينيقية والمصرية والآرامية والأمازيغية وغيرها، قبل أن تتمخض حضارة عربية زاهرة بتراكم طبقات روحية وفكرية، شكلت بتنوعها مختبرا إنسانيا للتفاعل والتلاقح والإحتواء المتبادل، وبلورت، في السياق نفسه، الهوية العربية المنفتحة والسمحاء التي نادى بها المؤسسون من رواد النهضة، واعتمدوها منطلقا للعيش معا في دنيا العرب الغنية باجتماعها التعددي وقاعدة لبناء مستقبل مشترك عزيز لا تمييز فيه ولا تفضيل.
فعوضا عن بلورة هوية عربية، أرادية مستقبلية، حاضنة للميراث الحضاري التعددي، راعية للقيم الإنسانية الأصيلة، وضامنة لحرية الفرد وكرامته، اكتفت الأنظمة العربية بممارسة لعبة صراع الهويات الماضوية وتوظيفها لإلهاء الجماعات وتقاسم ولاءاتها".
* وبكل ألم ومرارة وبكلمات لامست قلوب الحاضرين أوضح يونس صاحب المنجز الثقافي الكبير , بأن تشويه الهوية العربية أدى إلى تقزيم المشروع الثقافي العربي وتحييد دور الثقافة في مواجهة تحديات العولمة والتحديث وفي استقطاب الشباب العربي وتوحيد صفوفه.
متسائلا: اذا مااصبح العرب يخافون الثقافة:
"هل نحن قوم نخاف الثقافة؟ لأن الثقافة صناعة البشر الأنبل، ولأنها تجسد ميراث تجارب الأجيال ومعاناتها للارتقاء وللابداع، فهي تضفي على المثقف، في كفاحه الشاق لوعي نفسه ولتحقيق إنسانيته في مواجهة الفراغ والقلق والمجهول، دور الخالق والفاتح معا. ففي الثقافة وحدها، جوهر الأجوبة المعقدة التي يصوغها الإنسان في بحثه عن معاني وجوده وسعيه الى التحرر من معايير الزمان والمكان، لممارسة حرية غير رازحة ولا مقيدة ولا مسدودة. فهي الخيار الأضمن لعقلنة مقاربات البشر للاقدار المهيمنة على مصائرهم، بأبعادها البيولوجية والاجتماعية والروحية والمادية. وعندما يستقيل المثقفون من مسؤولياتهم، يسخر دور العقل وتسيطر الأوهام ويجنح المجتمع نحو الفكر الخرافي والمتزمت والعصبيات، فيتخلى المجتمع عن القيم الأساسية التي كرستها الحضارة لحماية كرامة البشر".
*وهنا بات واضحا ان يونس يراهن ضمنيا وعلنيا على اهمية وضرورة قيام انظمة لا تعادي الثقافة , من منطلق أن للثقافة
دور هام في تكوين ذهنيةِ وحقيقةِ المجتمعات المتقدمة وماحققته من قيمٍ ماديةٍ ومعنويةٍ نتيجةٌ لثقافة شعوبها ولوجود انظمة تحكمها تملك قيما و قناعات بأن الثقافة هي لب هوية الأمة, وأعظم مقومات المجتمع.
ومراهنة يونس هنا جاءت كمراهنة رجال النهضة على الثقافة كمشروع تأسيسي لتوحيد العرب* :
يونس : "راهن رجال النهضة على الثقافة، كمشروع تأسيسي لتوحيد دنيا العرب، وكان الاعتقاد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب قيام دولة أو دول لديها الشجاعة للاعتراف بهويتها المعاصرة، وبما تمليه عليها هذه الهوية من موجبات، إن بالنسبة إلى العدالة الاجتماعية والمساواة أو بالنسبة الى الحقوق الأساسية للمواطنين وفي طليعتها الحرية الفردية والكرامة الإنسانية والتنمية الاقتصادية، ولكن ذلك لم يتحقق وبقي المشروع الثقافي العربي ينتظر قيام أنظمة لا تعادي الثقافة : .
*وعلى ما يبدو بأن الهوية القومية وتحقيقها هي الهاجس الكبير لدى يونس حيث تعد بمنظوره ورؤيته الثاقبة هوية عربية جامعة تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية...
هويىة قائمة متجانسة باللغة والتاريخ والديانات والشعوب العربية ... هوية تتوق الى الى وحدة مصير في وجه اي تدخل خارجي , هوية من خلال برنامجها الديمقراطي تطرح كأداة لتوحيد الامة العربية .
فقال : "لا سبيل لاستعادة موقع الأمة العربية على خارطة عالم المستقبل، ما لم يتح لدولها الاعتداد بهوية قومية واحدة معترف بها، منفتحة على تنوع الاجتماع العربي، ملتزمة الحرية والديموقراطية، منزهة عن التعصب والعنصرية، ملتزمة المحافظة على حقوق الأفراد والجماعات وعلى المساواة والكرامة الإنسانية في ظلال مشروع ثقافي عربي يعيد تشكيل الوجود العربي على امتداد دنيا العرب.
* وأماط يونس اللثام كعادته بتوضيح الامور والقضايا وايجاد الحلول لها , عن مشهد اخر محزن الت اليه الامة العربية , التي غادرها الفرح , مهاجرا بمعية الثقافة , بحيث اصبحت مجموعات من القبائل والعشائر , والاتباع و والمذاهب تنجر خلف الفتن وتعيش من اجل اثارتها :
يونس: "كبديل من المشروع الثقافي، مشروع منتداك، نقضي أعمارنا التي هجرها الفرح أمام مشهد استعراضي، لقبائل وعشائر وأتباع ومجموعات، تتبادل الضغائن والأوهام والخرافات وتواريخ الخصام، وتتبادل الأدوار كما تتبادل الغاز القاتل والفخاخ البشرية والذل.
هل أطبق التاريخ علينا؟ أم أن للتاريخ خيارات أخرى خارج لعبة تحريك الغرائز وإثارة الفتن والأحقاد أو التفاهة؟
* وحلم المفكر والكاتب الكبير بدنيا جميلة للعرب ..حلم يونس العاشق للهوية وللثقافة العربية الموحدة بتحرير العرب, وبصحوة الامة من غفلتها , والبدء باعادة بناءٍ شامل للفكر العربيّ، ليتمكَّن من الحركة والتفكير والإبداع ومن ثم لتعيش بأمن وأمان وسعادة وهدوؤ.واستقرار , حلم يونس حلما علنا نبصره عن قريب ..

يونس : ليس ترفا فكريا أن نحلم بدنيا للعرب، آمنة، ومحررة من الجهل ومن التخلف، حاضنة لدول عصرية، تؤمن بالحرية والمساواة، وتؤسس لثقافة مشرقة في أوطان مكرسة للعيش معا وللقاء الأفكار والأديان و لتألق الحضور التعددي حيث لا يقصي أحد أحدا ولا تهيمن فيه جماعة على سواها. من الجائز لنا في هذا المنتدى أن نحلم، فكل عمل كبير يستهله حلم صغير
. *وهنا وفي الخاتمة وبمفردات رائعة و وصف يونس سمو الامير الحسن صاحب الافكار السامية في الحوار بين الحضارات والاديان ودعوته المستمرة لها , بأمير الفكر والرؤية :
رجائي أن يتحقق حلم أمير الفكر والرؤية، وأملي أن يصبح هذا الحلم الكبير خارطة طريق الشباب والشابات، رياحين دنيا العرب".
*ويذكر بأن المفكر الدكتور نزار يونس , سياسي عربي بارز , قوي في دلالاته وعميق في طرحه , صريح وصادق وجريء, ، وقلما راقيا لحروف العروبة الصافية , له عدة مؤلفات ومحاضرات ومقابلات إذاعية وتلفزيونية في لبنان والوطن العربي حول الحرية والديمقراطية والقومية وحقو ق الانسان .

أضف تعليق


لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر، وجميع المقالات والتعليقات لا تعبر عن وجهة نظر الموقع