اضاءات

بنيان يكتب: تتقلَّبُ المناصبُ ويتغيَّرُ المشهدُ، كرسيٌّ قادمٌ وآخرُ مُغادِر

ديرتنا – كتب عامر بنيان
في مشهدٍ متكرِّرٍ في العمل، يأتيك من يترأَّسُ الكرسيَّ فيجدُ نفسه أمامَ مسؤولياتٍ ومهامٍ، يُفكِّرُ كثيرًا: من أين أبدأ؟ ومن أين أعمل؟ ومن هو ذاك أو ذاك؟ ويبحثُ عن شخصيَّاتٍ تشابهُ شخصيَّتَه. ويرتكزُ على نظراتِه وبصيرتِه التي بناها بيديه من نفسٍ وهوى ودُنياه، وتغيبُ عنه الكثيرُ من المبادئِ والقوانينِ أو حتى القيمِ. تعاقَبَ على ذاك المنصبِ عشراتٌ رحلوا، منهم من مات، ومنهم من ينتظر. وما زال الجديدُ لا يفقهُ من إدارته أو حتى قيادته سوى السلطة.
يوميَّاتُ موظفين وحياةٌ مملَّة مليئةٌ بالشخصنةِ واللا منهجيَّةِ والعملِ الضائعِ والإعلامِ والتصويرِ والاستعراضِ وتعظيمِ اللَّا إنجاز.
يُتابعون كلَّ لحظةٍ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، يبحثون عن وسمٍ (تاغ) لفلانٍ وفلانة، وتعليقاتٍ لا تُغني ولا تُسمنُ من جوع، يفتِّشون عن أنفسهم وسطَ مصالحِ الناس.
لعملِكم هناك أهدافٌ ومهامٌّ ومسؤولياتٌ كثيرةٌ على عاتقِهم، ولكنَّ الحياةَ الشخصيةَ والشعبويَّاتِ تتصدَّرُ المشهد. يبحثون عن أقلِّ واجباتهم ليُصارَ إلى تعظيمِها، بل إلى نشرِها على كلِّ المواقعِ الإلكترونيَّة، مُثَمِّنِين جهدَ أنفسِهم.
أمَّا إذا سألتَهم عمَّا قدَّموا لمُتلَقِّي الخدمة،فسيقولون: نحن نعملُ لتصحيحِ الأوضاعِ وأمورِكم، لتكونَ بيئةً مناسبة. من نظرِهم أنَّ البيئةَ المناسبةَ هي مبنى ومكانٌ وأشجارٌ وكراسٍ ونفضُ الغبار. ولكن للأسف، لا يخلقون بيئةَ عملٍ قياديَّة ولا بيئةَ عملٍ سليمة بعيدة عن الشخصنةِ أو الأهواء.
يبدأون يومَهم بعبارةِ “كتابُنا وكتابُهم”،كأنَّنا نتعاملُ مع محرِّكِ بحثٍ. يبحثون كيف يُجيبون على تلك الكُتُبِ الرسميَّةِ أو المراسلاتِ الواتسابيَّة، مزيدًا منها، ولا نتاجَ لتلك العمليَّاتِ الركيكة. وما زالوا يتصدَّرون المشهدَ بكلِّ كبيرةٍ وصغيرة، ولا يجدون إلا أنفسَهم الأجدرَ والأكثرَ كفاءةً، مُستبعِدين أنَّ هناك من هو أكثرُهم خبرةً أو إنجازًا. ويُؤسفنا أنَّ الواقعَ أصبحَ مليئًا بالغبار، لا أحدَ يعرفُ أين يتوجَّهُ ليرسلَ أفكارَه أو حتى انتقاداتِه، لعلَّهم يعلمون.
تتفاجأ من رحمِ المكان بمن يُصفِّقُ للقادمِ العزيزِ،الذي أتى على جوادٍ هزيلٍ بدعوى التجديدِ والتصحيحِ الجديد. وهذا ديدنُ الكثيرِ من “عربِ الجاهليَّةِ الرقميَّة”، نحنُ معكَ ونحنُ على أهبةِ الاستعدادِ لنكونَ صفًّا واحدًا، دون أن يكونَ العملُ أساسَ نجاحِهم، بل التصفياتُ العمليَّةُ والشخصيَّةُ وبناءُ صورٍ مشوَّشة لذلك القادم. والجميلُ في الفكرةِ أنَّه مستمعٌ جيِّدٌ لأشخاصٍ وُجدوا لتدميرِ العملِ من خارجه أو داخله، مُثمِّنين لهم غيرتَهم على العمل، ويدعمون هذه الأفكارَ والإشاراتِ الناريَّةَ وغير النَيِّرة.
يبدأ الألمُ صبيحةَ كلِّ يومِ عملٍ ويستمرُّ حتى ساعاتٍ متأخِّرة. الرسائلُ الواتسابيَّةُ والأوامرُ والتوجيهاتُ الإلكترونيَّةُ تُلاحِقُ الموظَّفَ حتى في أحلامِه، لأنَّه لا حقوقَ لذلك الموظَّف، بل يسترشدون بالأنظمةِ ليقولوا إنَّ الموظَّفَ ملكٌ لتلك المؤسَّسة، فهو على أتمِّ الاستعدادِ، مُجبَرًا على الاستمرارِ بالجاهزيةِ للاستجابةِ لذلك المديرِ صاحبِ الإنجازِ الوهميِّ.
تدورُ الدوائرُ وتتقلَّبُ الأيَّام، ويستمرُّ المشهدُ في غالبيةِ المؤسَّسات ليكون ترتيبُهم دومًا في المؤخِّرة، أمامَ الجهاتِ النزيهةِ التي تبحثُ عن إنجازاتٍ واقعيَّةٍ ذات مؤشِّراتٍ تُقاسُ وتُشاهدُ أمامَ العيان. ويكونُ المُستهدفون من وجودِ تلك المؤسَّسات هم أكثرَ رضا من المديرِ وأعوانِه.

زر الذهاب إلى الأعلى