اضاءات

بابور الكاز….

ديرتنا – عمّان

الدكتور الصيدلاني عبدالهادي المدادحه

لم يكن طباخ الغاز المنزلي موجودا بعد في الكرك في ستينات القرن الماضي، فكان معظم الناس يستخدمون بابور الكاز في طبخ الطعام وتسخين المياه، ولم يكن يخلو بيت من وجود بابورين اثنين معا في الخدمة. ولعل ملء خزان البابور بالكاز ودكه ليصعد الكاز إلى الرأس ثم إشعال عود الثقاب مع الكاز المتصاعد للأعلى نتيجة الدك يعطي شعلة حمراء متجمرة ذات لهب أزرق. هذا جانب، وجانب آخر هو صوت البابور المشتعل يقود خيالك إلى تصور معارك وحروب وسماع معزوفات موسيقية تشكلها حالتك النفسية، سيما وقت الاستحمام فتخلو لنفسك في الحمام الدافي مع الماء الساخن والليفة والصابون النابلسي وصوت البابور. لم يكن الشامبو والبودي جل معروفان في ذلك الوقت.
ولعل الحديث عن بابور الكاز في الكرك في ستينيات القرن الماضي، يقودنا للحديث عن الطوابين التي كانت موجودة فيها، فلم تكن تخلو حارة من الحارات إلا وبها طابون واحد أو اكثر، يشترك بعض الجيران في استخدامه للخبيز. وتوقد في الطابون نار من حرق بطيء للتبن والغضة والعقدة وكلها مواد تأتي من مخلفات بيادر حصاد الحنطة والشعير والعدس والكرسنة، فينتج عنها دخان ابيض خانق، يتغلغل في القصبات الهوائية ويستوطنها، فيحصل الشعور بالاختناق ويعلو السعال طلبا للهواء.
لعل أشهر واخر طابون ازيل من المدينة هو طابون يقع في حارة البقاعين على الشارع الرئيس المؤدي لمدرسة الكرك الثانوية، فكانت ادخنته تخنقني صباحا عند الذهاب للمدرسة، سيما وإن كانت الريح شرقية، فيستقبلك الدخان من مسافة بعيدة. صمد ذلك الطابون طويلا وربما يكون قد دخل عقد السبعينات قبل أن يقف عن الخدمة ويزال.
لكن من دفء البابور مع دفء الطابون يأتي دفء القلوب وطيبتها.
الكرك في ستينات القرن الماضي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى