المحامي الرواشدة يكتب: من ينصف الكرك ؟

ديرتنا – الكرك
المحامي المنصف خالد الرواشدة
كلنا شاهدنا ما حصل في الكرك جرّاء المنخفض الجوي وكميات الأمطار التي هطلت خلال الأيام الفائتة. ومن خلال متابعتي لتصريحات جميع المسؤولين، وتحديدًا وزير الأشغال العامة، ورئيس لجنة بلدية الكرك، ووزارة الإدارة المحلية، وكافة من صرّح حول ما جرى في الكرك، تبيّن لي وجود تنصّل واضح من المسؤولية دون مبرر، وكأن المستمع أو متلقي الخدمة في الكرك، وأهالي الكرك عمومًا، «غائبون عن الوعي».
ولنكن واضحين، لا بد من المقارنة لتحديد مكامن التقصير، إذ يتبيّن أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على وزارة الإدارة المحلية، وبالدرجة الثانية على وزارة الأشغال العامة، إضافة إلى نواب الكرك الذين التزموا الصمت تجاه تقصير الدولة بحق المحافظة، ثم رئيس الوزراء بصفته رئيس السلطة التنفيذية، وأخيرًا بلدية الكرك بكافة رؤسائها، وذلك لصمتهم جميعًا تجاه ضعف الموارد المخصصة لدعم البنية التحتية لمدينة الكرك.
ولتوضيح الصورة بشكل أدق، لا بد من بيان ما يلي:
أولًا:
تعاني بلدية الكرك من غياب شبه كامل للآليات اللازمة لصيانة البنية التحتية، إذ تقتصر آلياتها على معدتين (لودرين) فقط، وغالبًا لا يعمل منهما إلا واحدة، بينما تكون الأخرى قيد الصيانة. ويُشار كذلك إلى أن على البلدية مذكرات قضائية، وأن معظم مركباتها محجوزة بحجوزات تنفيذية، ما يمنعها من ممارسة أعمالها بشكل طبيعي. ويعلم الجميع بحادثة الحجز على مركبة رئيس البلدية السابق، وضبطها داخل كراجات المحكمة تمهيدًا لبيعها بالمزاد العلني، على خلفية مطالبات مالية من أحد المقاولين.
ثانيًا:
يعلم الجميع أن مخصصات بلدية الكرك لا تكفي إلا لسداد رواتب الموظفين وبعض المصاريف اليومية، إضافة إلى ترقيع محدود للبنية التحتية، دون القدرة على تطويرها أو مواكبة متطلبات النمو العمراني، وهو ما ظهر جليًا خلال الهطول المطري الأخير وما خلّفه من أضرار واسعة.
ثالثًا:
نتحدث اليوم عن محافظة الكرك بكافة بلدياتها، والتي تمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3495 كيلومترًا مربعًا، وتتميز بتضاريس معقدة من جبال وأودية ومنحدرات. وعند مقارنتها بالعاصمة عمّان، التي تبلغ مساحتها نحو 1680 كيلومترًا مربعًا، وكانت تقوم أصلًا على سبعة جبال ثم توسعت لتشمل نحو عشرين جبلًا، يتضح حجم الإجحاف.
فموازنة أمانة عمّان الكبرى، باستثناء عوائد مخالفات السير والتراخيص، تقارب 370 مليون دينار، في حين لا تتجاوز موازنة بلدية الكرك الكبرى سبعة ملايين دينار، وتبلغ مخصصات جميع بلديات الكرك مجتمعة نحو ثلاثين مليون دينار فقط. فأين المنطق في أن تُمنح محافظة تمتد على ضعف مساحة العاصمة، وتضم هذا الكم من الجبال والأودية والمناطق الحرجة، مخصصات لا تكفي إلا للرواتب والمصاريف التشغيلية اليومية؟
وعليه، فإن تبرير المسؤولين بأن كميات الهطول المطري فاقت القدرة الاستيعابية غير مقبول، إذ إن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب البنية التحتية والعبارات الصندوقية اللازمة لتصريف مياه الأمطار. لقد تُركت الكرك بأكملها في مواجهة السيول نتيجة التقصير المزمن في رفدها بالمخصصات اللازمة لإنشاء بنية تحتية قادرة على الاستيعاب.
وأخيرًا، وليس آخرًا، ومن دون إطالة، فإن الدولة هي من قصّرت بحق الكرك وأهلها، أما المطر فبريء مما حصل، براءة الذئب من دم يوسف. وبدل بناء مدن جديدة وبيع الأوهام للناس، الأولى أن تُخدم الكرك، التي يعود تاريخها إلى مليارات السنين، عبر إنشاء بنية تحتية تليق بالكرك التاريخ والتراث والمجد ، في من ينصف الكرك من غياب الحكومة عن واجبها .