مقالات

حياة مؤجلة… وأحلام تنتظر الإشارة

ديرتنا – عمّان
بقلم: د. شادية خريسات – أخصائية نفسية

لا أحد يضع منبّه حياته على وقتٍ مؤجل وهو يعلم أن الساعات قد تنفد فجأة.
ولا أحد يختار أن يعيش في ممر الانتظار وهو يملك القدرة على فتح الباب الآن.
لكن بين أوراقنا المزدحمة وخططنا المؤجلة، هناك من يعيش وكأنه في محطة قطار، ينتظر القاطرة التي ستأخذه إلى “الحياة الحقيقية”.

“سأتغير عندما أتخرج”…
“سأبدأ حياتي حين أحصل على وظيفة”…
“سأكون سعيدًا عندما أجد الحب”…
“سأشعر بالرضا بعد أن أسافر”…
“سأستمتع عندما أصل للوزن المثالي”…

عبارات تتكرر بصوت خافت في الداخل، لكنها تبني جدارًا عاليًا بيننا وبين اللحظة.
إنها متلازمة انتظار بدء الحياة، حالة نفسية غير معلنة، يعيش فيها الإنسان مؤمنًا أن سعادته معلّقة على حدث مستقبلي، وأن الحاضر ليس إلا مرحلة مؤقتة لا تستحق الاحتفال.

في الجلسات النفسية، نلتقي بأشخاص يعيشون في هذا الانتظار المزمن:
شاب يقول: “أنا مش مستمتع بأي شيء الآن… كل إشي مؤجل لبعد ما أشتغل”.
فتاة تهمس: “حاسّة إني واقفة برا حياتي، بتفرج عليها من بعيد”.
ورجل يصف نفسه: “كأني معلق بين أمس وبكرة… واليوم مش إلي”.

المؤلم أن هذه المتلازمة تسرق منّا العمر على دفعات صغيرة، تجعلنا نؤجل الفرح، ونعيش بنصف قلب، ونؤمن أن اللحظة الحالية لا تكفي.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تملك زرّ التشغيل… هي تعمل منذ اللحظة الأولى، ونحن من يختار أن يشارك أو يبقى على الهامش.

لسنا هنا لنقلّل من أهمية الأحلام أو الإنجازات، بل لنسأل:
هل يمكن أن نسمح لأنفسنا أن نعيش اليوم، حتى لو كان الغد ما زال قادمًا؟
هل يمكن أن نحتفل بالخطوات الصغيرة، لا فقط بخط النهاية؟

إن الخروج من متلازمة انتظار بدء الحياة يبدأ بالتصالح مع الحاضر، وإيجاد المعنى في التفاصيل التي بين أيدينا، لا في اللحظة التي لم تصل بعد.
فالحياة لا تبدأ بعد التخرج، أو الزواج، أو السفر… الحياة هنا، في فنجان قهوة مع صديق، في لحظة صدق مع الذات، في ضحكة عابرة، وفي امتنان صامت لأننا ما زلنا على قيد المحاولة.

لعل الرسالة الأهم هي أن نكفّ عن تأجيل السعادة، وأن ندرك أن الانتظار الطويل قد يجعلنا نكتشف – متأخرين – أن القطار كان يسير منذ البداية، لكننا لم نصعد.

زر الذهاب إلى الأعلى