مقالات

الأخصائية النفسية د.خريسات تكتب: ترميمٌ يترك شقوقًا أعمق

ديرتنا – عمّان
بقلم: د. شادية خريسات – أخصائية نفسية
نعود أحيانًا إلى ما كسرنا، وكأننا نملك قوة السحر لنحوّل الرماد إلى ورد، والوجع إلى بداية جديدة.
نمد أيدينا لنجمع الشظايا، نلصقها بلهفة، ثم نندهش حين تنزف أيدينا أكثر.
“يمكن المرة الجاي تكون أفضل”…
“يمكن هو تغيّر”…
“يمكن أنا بالغت”…
عبارات نهمس بها لأنفسنا كلما عدنا، محمّلين بأمل هشّ أن الماضي سيتبدل، وأن الوجع هذه المرّة لن يجد طريقه إلينا. لكن الحقيقة أن الجرح لا يلتئم إذا عُدنا لنفس السكين.
في الجلسات النفسية، نسمع أصواتًا متكررة:
امرأة تقول: “رجعتله، بس حسّيت إني عم بخسر نفسي أكتر”.
شاب يبوح: “كل مرة برجع، بكتشف إنه نفس الوجع بس بوجه جديد”.
وأخرى تهمس: “بدي أصدّق إنه رح يتغيّر… بس أنا اللي عم أتغيّر للأسوأ”.
المؤلم أن محاولات الترميم قد تتحوّل إلى نزيف صامت، نضحّي فيها بسلامنا الداخلي مقابل وهم “الفرصة الأخيرة”.
نظن أن الحب كفيل بإنعاش العلاقة، بينما الحقيقة أن بعض العلاقات مريضة لدرجة أن الحب نفسه يختنق بداخلها.
لسنا هنا لنقلّل من قيمة المحاولة، لكن لنسأل أنفسنا:
هل الإصلاح يعني أن نكسر أكثر لنجبر؟
هل نمنح الآخر فرصة جديدة، أم نمنحه فرصة جديدة ليؤذينا؟
الحب الحقيقي لا يطلب منّا أن نذوب حتى الفناء، ولا أن نعود إلى نفس الطريق المظلم لنثبت إخلاصنا.
الحب الذي يشفي هو الذي يُشعرك أنك تُزهر لا أنك تذبل، أنك تُبنى لا أنك تُهدم.
ربما الرسالة الأهم هي أن نعي:
أحيانًا يكون الرحيل أصدق أشكال الوفاء للنفس.
وأحيانًا يكون التمسك بما يُرهقنا هو الخيانة الحقيقية لقلوبنا.
فليست كل علاقة قابلة للترميم… وبعض الأبواب إن أُغلقت، فإن الحكمة أن نتركها مغلقة، قبل أن نكتشف – متأخرين – أن الدخول مجددًا كان الطريق الأقصر نحو خسارتنا الأكبر

زر الذهاب إلى الأعلى