

ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة:
في عيد ميلادها تقف فيروز أمام الزمن كأنها آخر امرأة نجت من عاصفة المشاعر الكبرى.
التسعينية التي لم تتعلّم الغناء في معهد بل تعلّمته من قلبٍ كان يرتجف كلما أحبّ ويُشفى كلما غنّى.
لم تكن مدرسة موسيقية… كانت مدرسة وجدان وكل جيل يمرّ عليها يعود إليه شيء منه كان ضائعًا.
فيروز لم تكن تغنّي… كانت تعتذر للعمر لأنها أحبّت أكثر مما يجب وخافت أكثر مما يليق.
كل أغنية كانت خريطة رعبٍ صغيرة ترسمها بصوتٍ لا يشبه أحدًا.
كانت طفلةً تخاف أن تستيقظ في الصباح وقد نسيها من تُحب كما في “أنا فزعانة”
وتخاف أن يصبح الحب “نسمة” تمرّ على بيتٍ مغلق النوافذ…
بيتٌ يشبه قلبها في سنوات الانتظار الطويلة.
كانت تخشى أن تهدي قلبها لرجلٍ يغيب كما في “أنا خوفي أودّيلك قلبي”
كانت تمشي خلفه بخطواتٍ لا تراها العين ولكن يسمعها الحنين…
ذلك الرفيق الذي يمسك يدها حين يتركونها ويجلس معها على مقاعد محطات القطار يراقبان القطارات التي لا تعود.
وفي “شو بخاف دقّ عليك وما لاقيك”
تحوّل الهاتف إلى حبل نجاة
وصوت لا يردّ صار مثل هاويةٍ تُسقطها من نصف الليل حتى أوّل الفجر.
كانت تخاف الغياب كأنها تعرف أن الغائبين لا يرجعون
وأن الطرقات التي لا يأتي منها أحد… تبقى خالية لا يملؤها شيء.
وفي “يا حلو شو بخاف إني ضيّعك”
تبدو عاشقةً تحرس حبيبها كما تحرس الأم طفلها وسط الزحام.
تخاف عليه من العالم… ومن نفسها… ومن لحظة شرود تُفلت فيها يدها من يده.
كانت تغنّي الخوف… لكنها كانت في الحقيقة تغنّي عمق التعلّق الذي لا يُعالج.
ثم تظهر الطفلة المجنونة فيها في “خايفة أنا نام”
تخشى أن يسرق القمر وجهها وهي نائمة
أن تهرب جارتها القمر وتقدّم ضوءها هديةً لحبيبها…
فتبقى هي في الظلّ والغريبة في الحكاية.
وفي “خوفي من عتم الليل” يصبح الليل ليس سوادًا… بل غياب صوته عنها.
لم تكن تخاف الليل بل كانت تخاف أن تناديه ولا يسمعها.
فالصوت الذي يغيب… أشد ظلمة من العتمة.
عندما غمّضت عينيها في “غمّضت عيوني”
كانت تخبّئه من الناس
كأنها تمنع العالم من رؤية ما تراه هي في قلبها.
كانت تخاف أن يصبح حبيبها مشاعًا… يا لِقلبٍ يحبّ حدّ الاحتكار ولا يخجل.
وفي “خوفي لا تضيعني بالعيد”
تتحوّل الأعياد إلى امتحان للغياب والفرح إلى فخٍّ مؤلم فالمحبوّن يُضيّعون بعضهم كما تُضيع المدن أسماء ساكنيها.
وتهمس في آخر اعترافاتها:
“أنا خوفي يا حبّي لتكون بعدك حبّي” كأنها تخشى أن تظنّ أنّها شُفيت منه بينما هو ما زال يختبئ في آخر الصفحة
كحرفٍ لم يجرؤ أحد على نطقه.
وتقف في النهاية أمام المايكروفون
تسأل السؤال الذي لم يعرف أحد جوابه:
“قلي حكيني نحنا مين؟
وليش منتلفّت خايفين؟”
السؤال الذي صار مثل بصمةٍ على قلب الجميع :
نحن من نحبّ أكثر مما نحتمل…
ونخاف أكثر مما نعترف.
فيروز في التسعين ليست صوتًا قديمًا…
هي ذاكرة الخوف الجميل
الذي يجعلنا نحبّ حتى النهاية
ونرتجف ونحن نعترف بذلك.
عيد ميلادها ليس احتفالًا…
عيد ميلادها استدعاء للعمر كلّه
وللحب الذي عاشتْه قبل أن تغنّيه… والخوف الذي ظلّ يعيش فيها حتى آخر نغمة.
من يسمع فيروز… يبكي على شخصٍ فقده
أو حبٍّ كان أو خوفٍ ما زال
أو عمرٍ لم نعرف أنّه ينكسر بهذه السهولة.
والعمر نفسه… ينحني لها.
كل عام وانتِ بألف خير