قهوتنا في ديرتنا ..شيخ القلعة وسيدة الكرك: والدي الذبيحين.. “النار ولا العار” – الحلقة الثانية

ديرتنا – عمّان / الكرك – نضال العضايلة
لم تغب تضحيات وبطولات الأردنيين حتى قبل ان تدق الدولة الأردنية اوتادها ويعلن شريفها الحسين بن علي ثورة العرب الكبرى، او يعلن عبدالله الأول عن تأسيس نواتها “إمارة شرق الأردن”.
ومع تفاصيل الحكاية الأردنية ينبلج فجر كركي يجسده شيخ الكرك إبراهيم الضمور وسيدتها علياء الضمور، بوفاء الأردنيين الذي لا مثيل له، وفي حادثة قل نظيرها، سميت بعطر النار، لأن النار التي حرقت جسد علي والسيد كان عطرها فواح، ذو رائحة عذبة زكية.
فبعد ان اشعل إبراهيم وعلياء مواقد النخوة والوفاء من على أسوار قلعة الكرك العصية على كل معتدي، بحادثة ظهر مدلولها على النشامى منذ ان عرفت المملكة الأردنية الهاشمية.
في سنة ١٨٣٢ وفي مدينة العز والفخر والكرامة الكرك وقلعتها، كرك التاريخ والمجد، وفي زمن الدولة العثمانيه، كان هناك رجل يدعى الشيخ ابراهيم الضمور وكان له زوجه إسمها الشيخة علياء الضمور، وللشيخ الجليل وزوجته قصة تزينت بالفخر والكبرياء ولا زالت الالسن تتحدث بها الى يومنا هذا.
تبدأ القصه عندما قام ابراهيم باشا السفاح بمطاردة رجل من نابلس اسمه قاسم الاحمد لإلقاء القبض عليه بعد ان اذاق العثمانيين الأمرين وحاربهم بكل ضراوة، الا ان الطوق الذي احاط به جعل السبل كلها تضيق به فلم يجد سوى خشم العقاب “الكرك” ليلجأ اليها محتمياً بشيخها إبراهيم الضمور من بطش إبراهيم باشا.
وصل الأحمد الى الكرك ودخل على سنديانتها ابراهيم الضمور ” شيخ الكرك “، واستجار به، فأجاره الضمور وأجارته الكرك وقلعتها، فوصل الخبر الى إبراهيم باشا الذي جهز جيشاً لغزو الكرك واحتلالها.
أغار ابراهيم باشا على الكرك وفرض عليها حصاراً شديداً، وارسل رسله الى الشيخ إبراهيم الضمور يطلب اليه تسليم قاسم الأحمد وتسليم الكرك، الا ان الشيخ الجليل رفض مطالب الباشا العثماني وأصر على حماية دخيله.
حاول إبراهيم باشا بكل الطرق ان يحصل على غايته باحتلال الكرك وتسلم الأحمد ولكن وأمام تعنت الكركيون وشيخهم إبراهيم الضمور لم يستطع الباشا العثماني ان يحصل على مراده، فعمد الى طرق أخرى يرهب بها الكركيين، حتى جائته الفرصة على طبق من ذهب.
وللصدفة الحزينة، حين كان علي والسيد أبناء الشيخ إبراهيم الضمور يستطلعان المنطقة المحيطة بقلعة الكرك ، القى رجال الباشا العثماني القبض عليهما، وساقوهما الى الباشا الذي وجدها فرصة ليفاوض عليهم الشيخ الضمور وليحصل على ما يريد، الا إنه لم يكن يعلم ان الشيخ الضمور لم يكن من أولئك الذين يستسلمون بسهولة حتى لو تعلق الأمر بفلذات اكبادهم.
كان للشيخ إبراهيم الضمور زوجة من صفاتها انها جبارة ذات قلب من صخر تؤمن ان النساء خلقن ليكونن رجال بالأفعال، وتملك السيادة والريادة عندما يتعلق الأمر بالنخوة والكرم والطيب والشجاعة، وكانت والدة الذبيحين من أقوى النساء اللواتي جسدن معنى الصبر والالوان على مدى الحياة.
واجه إبراهيم باشا رفض رجال الكرك لتسليم الأحمد ورفاقه وتسليم قلعة الكرك التي ارتبطت على مدى التاريخ بالقائد الفاتح صلاح الدين الأيوبي، فقاموا بالقبض على ابناء الشيخ ابراهيم الضمور علي والسيد وهدد بأن يحرقهما على مرأى الجميع في الكرك إن لم يسلم دخيله.
إبراهيم الضمور يخاطب عليا: “وش الشور يا عليا؟”
عليا ترد بعزة النفس الكركية الأردنية: “النار ولا العار يا إبراهيم، العيال الله بعوضنا عنهم بس ما يقولوا ابراهيم الضمور سلم دخيله”.
نادى إبراهيم الضمور في الكركية: إجمعوا لي رزمة من حطب وأرسلوها إلى سميِّي الذي لايعرف أن الوفاء بالعهد من شيم الرجال واقذفوا بها بين يديه وقولوا له: ليس إبراهيم الضمور ولا الكركيون من يسلمون دخيلهم»، عندها رجت زغاريد عليا جدران قلعة الكرك وهي تودع أبناءها الشهداء بعدما نفذ ابراهيم باشا السفاح تهديده وقام بحرقهم احياء واطلقت عليا بعدها عبارتها المشهورة: من يشرب فنجال الكرك، فانبرى لها الشيخ قدر المجالي وشرب فنجان الكرك.
واجتمع رجال الكرك ونساؤها من كل حدب وصوب واوقعوا هزيمه نكراء بإبراهيم باشا وجيشه وابادوا كل من تواجد بالكرك وقتها من جيش ابراهيم باشا.
وسجل التاريخ في أنصع صفحاته أن إبراهيم باشا الضمور وعزوته من شيوخ ورجال وشباب ونشميات الكرك لم يبُوقوا بالدخيل المستجير ففدوه بفلذتي الأكباد تلتهم جسديهما الطاهرين نيران الأحقاد.
عليا الضمور امراة من زمن العزة والكرامة الذي لم يعد يعني في قاموسنا المعاصر شيئا الا من قليل ، اجتثت الحداثة جذرنا ، وبتنا نلهث خلف سراب الحاضر ولن نلوي منه بشيء ، فبهرج الحاضر اعصى من ان نحوطه.
وهاهو شيخ الكرك إبراهيم الضمور يسترجع تاريخ الكرك عام 840 قبل الميلاد، يسترجع تاريخ الملك الكركي المؤابي ميشع عندما حاصر العبرانيون الكرك فقاتلهم وانتصر عليهم.
لقد دفعت عروبة ورجولة وشهامة وكبرياء الشيخ إبراهيم الضمور إلى التضحية بأبنائه على أن يساوم على أخلاق وقيم العروبة في إكرام الضيف وإجارة الدخيل وغيرها من عادات وتقاليد العرب.
رحم الله الشيخ إبراهيم الضمور ورحم زوجته علياء وولديه وأسكنهم فسيح جناته.
إبراهيم الضمور الغساني
علياء يونس العقول الضمور
