قهوتنا في ديرتنا

أول من قدم روحه فداءاً لفلسطين: الشهيد كايد مفلح العبيدات “الحلقة الثالثة”

ديرتنا – عمّان

نضال العضايلة

في العام 1920 وبينما كانت الجموع العربية تقف مناهضة لوعد بلفور المشؤوم سقط رجل من رجالات الأردن على أرض فلسطين كأول شهيد يمتزج دمه بتراب فلسطين المقدس، هذا الرجل الذي قدم روحه فداءاً لفلسطين وذاد عن حماها لم يكن يعلم ان قدره سيكون محتوماً ارضاءاً لله وحباً بالشهادة من أجل تراب دنسته العصابات الصهيونية مدعومة من سلطات العار البريطانية.
مفلح كايد العبيدات، سليل الحسب والنسب، هذا الرجل الذي خرج من صلب عائلة من أشرف عائلات الأردن، عائلة قدمت الكثير من اجل الأردن وفلسطين، عائلة ارثها شرف وكرامة وعز وفخار.
لقد كان كايد مفلح العبيدات، أول شهيد أردني على أرض فلسطين عام 1920 التي قضى فيها الآلاف من الأردنيين وأفراد الجيش العربي الأردني خلال سنين المواجهة، وهو أحد قادة الحركة الوطنية الأردنية التي تنبهت للخطر الصهيوني ورفضت وعد بلفور وناهضت استيطان اليهود في فلسطين، ومن أبرز الوجوه التي عرفها شمال الأردن قبل تشكل الدولة الأردنية الحديثة.
عن هذا النشمي الأردني يقول مؤرخنا العظيم  ليمان الموسى «أن الشيخ كايد كان شخصية مهيبة نافذة وزعيما مرموقا في ناحية لواء بني كنانة وعلى اتصال وثيق برجال الحركة الوطنية».
روى العبيدات بدمائه الزكية تراب الأرض الغالية ليدافع عن الحقوق العربية المسلوبة لانه احس ان تلبية نداء الجهاد واجب مقدس.
لم يكن كايد العبيدات شخصية عادية، فقد كان معروفاً وسط حركات التحرر العربية، وقاد العديد من الهجمات على الصهاينة والإنجليز وعمل كل ما بوسعه لتوطيد علاقاته بزعماء الحركة الوطنية العربية وحزب اللامركزية الإدارية العثماني والجمعية القحطانية، وأصبح أولئك الزعماء ينظرون إلى الشيخ الشهيد كوطني قومي غيور على شرف الأمة وانتمائه إليها.
ولد كايد مفلح العبيدات في بلدة كفرسوم عام 1868، ووالده يعتبر مؤسس عشيرة العبيدات، وكان عضوا في ولاية دمشق، تلقى تعليمه في الكتاتيب في شمال الأردن، وظهرت عليه علامات النبوغ منذ سنوات عمره الأولى، حيث حفظ القرآن الكريم في سن العاشرة، وكان يحظى برعاية خاصة من والده وإخوته الكبار، كما ظهرت عليه علامات الزعامة منذ صغره، وما أن وصل العشرين من عمره حتى كان ذا شأن في شمال الأردن، وأصبح كبيراً لقومه في شبابه، وتحول مع الوقت لأحد الزعامات البارزة بعصره في شمال الأردن وفلسطين والجولان، كما كان واحداً من أبرز رجالات الحركة الوطنية العربية التي ظهرت في بلاد الشام نهاية الدولة العثمانية.
كان كايد مفلح عبيدات عروبي التوجه، وعرف عنه التديّن، وكان على علاقة وثيقة برجال الحركة الوطنية التي ظهرت ضد الدولة العثمانية بعد تولي حزب الاتحاد والترقي الحكم فيها، وكان لديه وعي كبير بشأن مخطط اليهود لاحتلال فلسطين وإقامة وطن قومي لهم هناك، وله اطلاع سياسي واسع، فكان مناوئاً لسياسات حزب الاتحاد والترقي الذي وصل لحكم الدولة العثمانية عام 1908، وكان على علاقة وثيقة بالجمعيات العربية التي ظهرت في ذلك الوقت.
كان مولعا بالتاريخ، وبالشخصيات التاريخية التي توسع في قراءة تاريخها وسيرتها، كما كان يحض الناس على محو أميتهم وتعليم أبنائهم في الكتاتيب التي كانت منتشرة في ذلك الوقت في شمال الأردن، وعلى الرغم من أنه كان متوسط ترتيب إخوته، فإنه ورث زعامة عشيرة العبيدات عن والده، بل تحول مع الوقت لزعيم مناطق الكفارات شمال الأردن، كما كان عضوا في مجلس القضاء بولاية دمشق.
بدأت المقاومة العربية للوجود الصهيوني في فلسطين عام 1920، حيث قاد الشيخ أول هجوم انطلاقا من الأردن في منطقة تل الثعالب، ليستشهد مع عدد من المهاجمين أمام عدم تكافؤ المعركة، بين مهاجمين بالسلاح والبارود وبين عصابات صهيونية مدعومة بالقوات البريطانية واجهتهم بالرشاشات والسلاح المتوسط.
رحم الله شهيدنا البطل واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

زر الذهاب إلى الأعلى