قهوتنا في ديرتنا

قاهر العثمانيين: كليب بن حمد الفواز السردي “الحلقة الرابعة”

ديرتنا – عمّان – نضال العضايلة

لم يبدأ نضال الأردنيون ضد المحتل العثماني في الثورة العربية الكبرى عام ١٩١٦ او في هية الكرك وثورة الطفيلة عام ١٩١٠ او ثورة الشوبك ١٩٠٥ او حتى أواخر القرن العشرين – من خلال ثورة الحويطات ١٨٩٨ وثورة الحمايدة ١٨٨٩ – لا بل كان صراع أجدادنا مع حقد الطرابيش الحمر قبل ديباجة حزب التتريك وقبل اخر خمسين سنة، وقبل ثورات الأردنيين في حوران وجبل عجلون والكورة ١٨٣٨ – ١٨٤٠ وهية الكرك الأولى، تحديداً منذ أن وضعت أقدام الانكشارية وغطرستهم في أرض شرقي النهر، حيث أقاموا المجازر ونصبوا أعواد المشانق وزرعوا الفتن بين العشائر وشتتوا أهالي وقاطني الأقاليم المتناثرة في المشرق العربي.
في هذه المرة بطل المشهد هو الزعيم الوطني الأمير «كليب بن حمد الفواز» وثورته عام ١٧٠٥ م التي جمع بها ٢٠ الف فارس أردني من حوران والبلقا وبادية الانباط معلنًا عن معركة كانت ضد فلول مرتزقة العثمانيين، والتي وقعت تحديدًا في «المزيريب» شمال الأردن بمعركة الجابية “مزيربب الأولى” حيث انتصر فرسان هذا البلد وتم قتل والي دمشق العثماني بقيادة «الفواز» لينتزع حكمًا ذاتيًا مناؤاً لظلم وضرائب وتعدي الأتراك المستمر على البشر والشجر والحجر.
من بعد الانتصار وضع العثمانيين جائزة لمن يجلب رأس أمير بادية عرب الشام «الفواز»، ومن هنا أتت مقولة راس كليب حيث شاع صيته وجائزة قتله الباهظة، لكن لم ينجح خبثهم ب إغراء صلابة وعفة أبناء هذا البلد، ومن بعد عدة سنين نجح والي دمشق بجلب ابن الزعيم الأردني «كليب» ليتم اقناع الولد بحسن نية ما يضمره الوالي بحجة تسيير أمور الحجيج وباستخدام اسلوب العاطفة الدينية تم اقناع الشيخ «الفواز» بملاقاة الوالي بعد الحلفان وضمانات الأمان لكن كعادة العثمانيين بنقض العهود وخيانة الوعود تم قطع راس الأب والابن وإرسالهم كهدية من والي دمشق إلى السلطان العثماني في الاستانة ومن بعدها لم تنتهي وحشية وكره الأتراك ليتم ملاحقة وإبادة وقتل وتشتيت جميع أبناء عشيرة الفواز “السردية” شيبًا وشبابًا ورضع، لقطع نسلهم جميعًا، ولم ينجوا من أبناء العشيرة سوى طفلين هما برقا عمرها ١٤-١٥ سنة وطفل صغير اسمه كليب الثاني.
وهذا كله يمثل قليل من معاناة وصراع الأجداد في ذاك الوقت مع بشاعة وسادية بني عثمان وكرههم هم وأعوانهم وعبيدهم لأبناء القرى العشائر والمنطقة ككل.
جاء الشيخ كليب بن حمد بن إرشيد الفواز خلفا لوالده الشيخ حمد، واعتبر الشيخ كليب كواحد من أقوى الزعامات الأردنية التاريخية، من حيث قوة شخصيته وقوة جيشه وزعامته ومكانته، ويعود أول ظهور له في المراجع لعام 1690.
استمرت زعامته لعشيرة السردية وتحالفها مع باقي العشائر الأردنية حتى عام 1709، حيث امتدت زعامته لتحالف العشائر الأردنية من المزيريب شمال درعا وصولاً للمناطق الشمالية من المدينة المنورة ومن الجوف شرقاً وحتى الشريعة (نهر الأردن) غرباً، وقد امتلك كليب الفواز كافة أسباب المنعة والقوة من جيش قوي وشخصية مهابة وتحالفات قوية، وهو جزء مما ورثه عن والده حمد الذي قتله الوالي العثماني، وجده ارشيد الذي عرف أنه أشهر من قام بالتحالفات العشائرية الأردنية في ذلك الوقت، كل هذه الأسباب جعلت منه خصماً ونداُ قوياً للعثمانيين ومصدر قلق ورعب وإزعاج لولاتهم وسلاطينهم.
وفي عام 1709 يوافق كليب الفواز على تلبية دعوة الوالي بإلحاح من ابنه محمد الذي تمكن من إقناعه، ويذهب برفقة 40 فارس من السردية، وفور دخوله خيمة الوالي يرديه شهيداً برصاص الغدر والخيانة، فنحروا عنقه وأرسلوا رأسه للقسطنطينية، ومن هنا جاء المثل الشعبي القائل : “جايب رأس كليب” و الدال بالطبع على القيمة العالية جدا لرأس كليب لدى العثمانيين وأهالي بالمنطقة مع اختلاف المشاعر بالطبع، وتقول الوثائق أن نصوح باشا لم يجرؤ على النظر نحو رأس كليب خشية النظر في عيناه، ولم يرد أي ذكر تاريخي لمحمد بن كليب الفواز بعد ذلك، وأغلب الظن كما تشير الروايات الشفوية أنه قضى غدراً إلى جانب والده في تلك الخيمة ذلك اليوم، فقد غدر به الوالي العثماني صديق الأمس وجز رقبته كما جز رقبة أبيه بعد أن غرّر به لاستقدام والده الشيخ كليب الفواز.
بقي نصوح باشا في مركزه والياً على دمشق عام 1714 حتى بلغه أنه قد سلبت منه مناصبه، وأن العساكر العثمانية قد وصلت لدمشق لقتاله، فهرب ولحق به العسكر، فقتلوه، ثم جزّوا رأسه، وسلخوه، وأرسلوه إلى أسيادهم، كما أرسل رأس كليب، مع الفارق أن كليب استشهد بطلاً، فقد قضى دفاعا عن الأردنيين وهمومهم ومعاناتهم تحت الاحتلال العثماني، بينما عاش نصوح باشا مجرماً وعميلاً لسلطة ظالمة وفُتك به وهو كذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى