هندسة الأنباط تعود للحياة…الحصاد المائي في الحميمة العباسية يصنع نموذجًا عالميًا للتكيّف المناخي – صور

ديرتنا – العقبة – الحميمة العباسية جنوب الأردن
ياسين الحويطات / رئيس مجلس إدارة صندوق آفاق الحميمة لسياحة البيئية المستدامة
المادة أدناه بمساعدة الذكاء الصناعي
في مشهد يعيد الحياة إلى واحدة من أعقد الابتكارات البيئية التي عرفتها الحضارات القديمة، امتلأت البرك النبطية التاريخية في الحميمة بكميات كبيرة من مياه الأمطار، في حدث يُعدّ محطة فارقة في جهود استعادة النظم البيئية للمناطق الجافة ومواجهة تحديات التغير المناخي.
هذه البرك، التي صُمِّمت قبل أكثر من ألفي عام وفق منظومة هندسية دقيقة للحصاد المائي، أثبتت مجددًا كفاءتها العالية في تجميع مياه الأمطار، وتقليل المخاطر الهيدرولوجية، وتعزيز قدرة الأرض على امتصاص المياه، وهي المبادئ ذاتها التي تعتمدها اليوم أبرز المؤسسات البيئية العالمية ضمن مسارات:
الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-Based Solutions)
تعزيز مرونة الأنظمة البيئية (Ecosystem Resilience)
برامج استعادة النظم الجافة (Dryland Restoration)
إدارة مخاطر السيول (Flood Risk Reduction)
وقد تجاوز مخزون البرك هذا الموسم 3,500 متر مكعب من مياه الأمطار، ما يجعلها موردًا رئيسيًا في دعم مشاريع إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.
من إرث الأنباط إلى علوم المناخ الحديثة
يؤكد خبراء البيئة أن الهندسة النبطية في إدارة المياه تمثل اليوم مثالًا رائدًا على التكيّف المناخي الطبيعي، حيث تعكس القدرة على التعامل مع الندرة المائية، والتحكم بالجريان السطحي، وتخفيف آثار السيول دون بنية تحتية معقدة.
النظام ذاته الذي خدم القوافل القديمة، أثبت قدرته اليوم على:
تعزيز قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة
رفع جاهزية المنطقة لمواجهة موجات الجفاف المتكررة
خفض الجريان السطحي نتيجة هطولات الأمطار المفاجئة
المساهمة في تثبيت الكربون عبر دعم نمو النباتات المحلية
وهذه العناصر تشكل أساسًا لنجاح مشروعات الاستعادة البيئية المعاصرة.
—
جمعية الحميمة العباسية السياحية تقود مبادرة بيئية رائدة
من خلال نشاطها البيئي المتنامي، تعمل جمعية الحميمة العباسية السياحية على مشروع متكامل لإعادة تأهيل الغطاء النباتي في المنطقة، يرتكز على:
بنك البذور لإكثار النباتات البرية الأصيلة الأكثر كفاءة في مواجهة التغير المناخي
تقنيات الزراعة في البيئات الجافة
استعمال المياه المجمّعة في البرك النبطية لدعم الإنبات والاستصلاح
تحسين قدرة التربة على التكيّف واستعادة وظائفها الإيكولوجية
ويُعد المشروع واحدًا من أوائل المبادرات المحلية التي تجمع بين إعادة الغطاء النباتي و إعادة تفعيل البنية المائية التراثية لتحقيق أثر مزدوج بيئي–مناخي.
شراكة بيئية مع وزارة التربية والتعليم – المدارس البيئية المستدامة
كما تستعد الجمعية لإطلاق برنامج “المدارس البيئية المستدامة” بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم مع بداية الفصل الدراسي القادم، بهدف:
تعليم الطلبة مبادئ الاستدامة والحصاد المائي
إشراك الأجيال الجديدة في زراعة النباتات البرية وإعادة تأهيل البيئة
تعزيز الوعي المناخي داخل المجتمع المحلي
بناء ثقافة علمية تعتمد على حماية النظم البيئية في الجنوب الأردني
البرنامج سيحوّل المدارس إلى مختبرات تعليمية حيّة تدعم مشروع إعادة الغطاء النباتي وتربط الطلبة مباشرة بالمنظومة البيئية للحميمة.
—
برك نبطية… ورؤية علمية جديدة للحميمة الخضراء
وفقًا للمعايير العلمية التي تعتمدها الهيئات الدولية، فإن دمج تقنيات الحصاد المائي التقليدية مع برامج الاستعادة البيئية الحديثة يوفر:
رفع كفاءة احتجاز الكربون في المناطق الجافة
تحسين أداء النباتات المحلية ضمن ظروف المناخ المتحوّل
تقليل مخاطر الفيضانات في المناطق المنخفضة
زيادة استقرار الأراضي ومقاومتها للتدهور
إعادة بناء الشبكات البيئية التي تدعم التنوع الحيوي
وهذا ما يجعل الحميمة، اليوم، نموذجًا حيًّا للتكامل بين إرث هندسي قديم و تخطيط بيئي حديث قادر على إنتاج أثر مستدام وعميق.
—
ختامًا
ما جرى في الحميمة هذا الموسم لا يقتصر على امتلاء برك تاريخية بالماء…
بل يمثل تحولًا نوعيًّا في كيفية تعامل المجتمعات المحلية مع المناخ والبيئة، وعودةً واعية لاستخدام المعرفة القديمة ضمن إطار علمي يتوافق مع أعلى المعايير الدولية.
ومع استمرار نشاط الجمعية ومشاريع المدارس وبنك البذور، تقترب الحميمة من أن تصبح أحد أهم نماذج إدارة الموارد الطبيعية المستندة إلى الطبيعة في جنوب الأردن.
