قهوتنا في ديرتنا

عقيد بني صخر: الشيخ مثقال سطام الفايز “الحلقة الخامسة”

ديرتنا – عمّان

نضال العضايلة

عانى بنو صخر وغيرهم من أهالي شرقي الأردن في العهد العثماني مرارة الحكم التركي وتسلطه وجوره وملاحقته لهم، بسبب رفضهم الذل والاستعباد، وامتناعهم عن دفع الضرائب الباهضة التي كانت مفروضة على أراضيهم ومواشيهم، وكانت بلادهم مقطعة الأوصال مشتتة الأحوال، وكان بنو صخر يومَ شبّت الثورة على مستوى لابأس به من اليقضة والوعي، بفعل احتكاكهم بغيرهم ممن يعيشون في الحواضر القريبة منهم، كما أن ثورة الكرك 1910، زادت من وعي الناس وتصميمهم على الخلاص من الحكم التركي.
وحين وصلت الى الشيخ مثقال الفايز وشيوخ بني صخر دعوات الانضمام للثورة العربية الكبرى هبوا هبّة رجل واحد، فكان شيوخ بني صخر يجمعون الفرسان ويحثونهم على المشاركة في الثورة و يزودوهم بالسلاح و يقودوهم بالعمليات العسكرية خلال الثورة، وقد تمكّن رجال من بني صخر وبمساعدة قوات الثورة من قطع خط القطار العسكري العثماني الموصل بين عمّان ودرعا ودمشق لقطع الإمداد عن القوات التركية المتحصنة وحلفائها الألمانيين والنمساويين في معان، وكان لبني صخر شرف التصدي للقوات التركية وحلفائها المحتلة المنسحبة من معان في 22 أيلول 1918، كما اشترك عدد من فرسان بني صخر في حملة سيارة بقيادة الأمير فيصل بن الحسين فقامت بتطهير تل عرار من العثمانيين شمال الحدود الأردنية.

وانضم فرسان بني صخر إلى قوات الحلفاء المساندة لقوات الثورة التي نظمت لقطع خط رجعة القوة التركية المرابطة في شونة نمرين عام 1918، وعهد إليهم بحراسة طريق شونة نمرين وادي السير ليمنعوا الأتراك من سلوكها. وشاركو بعملية تحرير درعا في أيلول 1918، واستمروا يناصرون قوات الثورة حتى دخلت دمشق كما وقفوا إلى جانب اخوتهم العرب في معركة ميسلون.
يورد خير الدين الزركلي في كتابة عامان في عمان قصة حادثة سجن بيك باشا، فقد قال له يوما صديقه المرحوم كامل البديري إن وزارة أم العمد لأقوى والله من هذه الوزارة التي ألفها الفرنسيون في سوريا، فقال له خير الدين الزركلي وما وزارة ام العمد؟، فقال البديري تلك الوزارة ألفناها في قرية أم العمد من قرى بني صخر، وقد عاشت أيام، يقصد إبان بدء عهد الانتداب البريطاني للأردن.
نشأ خلاف بين إحدى العشائر المجاورة و مثقال الفايز على أرض ادعت الأولى أن الثاني اغتصبها ورفعت العشيرة أمرها الى حكومة (السلط)، فطلبت محكمتها مثقال للمحاكمة، فامتنع فرأى وكيل المعتمد البريطاني ومفتش درك شرق الأردن بيك باشا أن الفرصة سانحة لإذلال بني صخر في شخص شيخهم فألح بوجوب جلبه للمحاكمة، ثم زحف بيك بقوة إلى اليادودة القريبة من أم العمد ، ورأى ضعفا فيمن معه فاضطر أن يعدل عن فكرة الضرب بالقوة، وذهب منفردا إلى أم العمد ليعتقل الشيخ مثقال، فحجزه مثقال في مخزن التبن و لم يسئ معاملته ، وأعلنّا في أم العمد استقلالنا عن الانتداب البريطاني، وقد توسط الشريف علي بن الحسين الحارثي في الصُلح أثناء وجوده بالسلط قبل إعلان إمارة شرق الأردن، فأطلقه الشيخ مثقال إكراما للشريف علي.
لمّا احس الأردنيون بالفراغ السياسي بعد هزيمة المحتل التركي ورحيله عن البلاد بعد أربع قرون من السلطة الهمجية الموغلة بالقمع والحقد، سارع شيوخ مناطق السلط وعمان والكرك إلى عقد اجتماع في منتصف كانون اول 1919، لجمع التبرعات وإعداد المتطوعين للدفاع عن البلاد، وشكلت لجنة أطلق عليها اسم لجنة الدفاع الوطني وانتخب مثقال رئيسا لها.
انخرط الشيخ مثقال الفايز بكل قوة في هموم أمته ولفحته حرارة الأحداث التي تجري في المنطقة في ذلك الزمن، لقد احس بعظم المسؤولية وخطورة الوضع الذي بدأ يتشكل على الأرض، سارع مثقال الفايز ومعه نفر من وجاء وشيوخ العشائر و المدن الأردنية إلى استقبال الأمير عبدالله وسافر إلى معان لاستقبال الأمير ووضع يده بيده وعاهده على الإخلاص والولاء للعرش الهاشمي.
وكبطل أردني شارك في معارك الثورة للوصول إلى حلم الحرية والاستقلال من الصلف والطغيان العثماني من أجل العرب جميعا، فقد كان الدفاع عن الأرض الأردنية والعربية أيضا ومد يد المساعدة للأشقاء العرب في فلسطين وسوريا حجر الأساس في سعيه ودعواه، فقد استقبل الشيخ مثقال الفايز وشيوخ بني صخر الشريف علي بن الحسين الحارثي بعد انتهاء عمليات الثورة لاستكمال المشروع النهضوي التحرري وبمعيتهم نحو ألف فارس وبعدها استقبل الأمير عبدالله المؤسس في عمان بعد قدومه اليها من معان عام 1921 لبناء الدولة الأردنية الحديثة، وعندما ابتدأ تشكيل الامارة وبدأت تسير في خطواتها الأولى نراه وقد انتخب عضوا في المجلس التشريعي الأول 1929 – 1931.

وقد عمل مدافعا عن حقوق المواطن وتنبيه الحكومة عن أوجه التقصير، كما انتخب نائبا عن بدو الشمال في المجلس التشريعي الثالث (1934 – 1937).
تعتبر غزوات الخوين سلسلة من الغزوات التي شنتها القوات الوهابية من نجد هدف بها الوهابيون لتوسيع امتدادهم الجغرافي وسيطرتهم على المنطقة عبر احتلال عمان عاصمة الإمارة الجديدة، ومن ثم تحطيم أية قوة تقاوم هذا اتجاههم هذا.

وشملت غزوات الإخوين غزوتين رئيسيتين الأولى عام 1922، والثانية عام 1924، واللتان جاءتا متتابعتين ومتزامنتين من حيث التوقيت، لم تكونا بالطبع بلا أهداف سياسية محددة، ولم يأت توقيت القيام بهما جزافا وليد الصدفة، وهذا يدل على أن وراءهما تخطيطا محكما ودقة متناهية في بلوغ اهدافها التي فشلت، بسبب صمود رجالات الأردن الابطال وفي مقدمتهم فرسان قبيلة بني صخر.
رفض الأردنيون المعاهدة البريطانية الأردنية عام 1928، وطالبوا بإلغائها وجرت مظاهرات حاشدة للمطالبة بذلك، وفي عام 1931 طالب مثقال الفايز بإلغاء المعاهدة ودعم الثورة السورية عند لقائه شيخ عربان مصر حمد باشا الباسل، كما عقد الأردنيون المؤتمر الوطني الاردني الأول 1928، إذ لم تكتف العشائر الأردنية بالاحتجاجات بل تحرك زعماء وشيوخ ومفكرو الأردن بشكل منظم وذلك بعقد مؤتمرهم في مقهى حمدان بعمان بتاريخ 25 تموز 1928، وكان هذا أول مؤتمر وطني في تاريخ الاردن الحديث، تحت عنوان (المؤتمر الوطني الأول للشعب الاردني)، وحضر المؤتمر (150) مائه وخمسون مندوبا من الزعماء والشيوخ والمفكرين والأدباء الذين يمثلون مختلف العشائر و المناطق الاردنية.
وقد أعلن المؤتمر رفضه للمعاهدة سنة 1928، وتم اصدار أول وثيقة وطنية أردنية باسم (الميثاق الوطني)، الذي عمل على انتخاب لجنة تنفيذية كان الشيخ مثقال من بين أعضائها إلى جانب عدد من أعيان الاردن وزعمائه لمتابعة قراراته.
كما كان له دورٌ كبير في انعقاد مؤتمر أم العمد (مؤتمر الشيوخ) في حزيران عام 1937، فقد عقد في قرية أم العمد مؤتمرا لشيوخ الأردن وزعمائها، وقدمت اللجنة التنفيذية لذلك المؤتمر مذكرة لوزارة الخارجية البريطانية ومذكرة أخرى لسمو الأمير، وفي هاتين المذكرتين ندد المؤتمرون بوسائل العنف التي تلجأ اليها حكومة الانتداب وبسياساتها الخاطئة، ووقع المذكرة عدد من الشيوخ منهم: حمد بن جازي، مثقال الفايز، كليب الشريدة، رفيفان المجالي، صالح العوران، حامد الشراري.
ولد رحمه الله عام 1885، على وجه التقريب، عاش فترة صباه في كنف خاله (هجهوج بن حزام أبو الوكل – شيخ الكواكبة (فخذ من قبيلة الرولة)، حيث تزوج من ( الخنساء بنت مزهي أبو الوكل )، وحين بلغ العمر قرابة الثلاثين سنة عاد الى ديرة أهله (الفايز) من بني صخر ليصبح بعدئذ شيخ مشايخ بني صخر، ونظرا لنشأة الشيخ مثقال الفايز بكنف أخواله من الرولة فقد تعلم من حياة البادية الشيء الكثير الأمر الذي أكسبه صفات عديدة، فبالإضافة إلى بنيته الجسمانية الرشيقة تعلم أيضا فنون الفروسية والعادات البدوية الأصيلة حتى أنه كان يتكلم بلهجة الرولة لفترة طويلة من حيات
توفي الشيخ مثقال الفايز 1967، عن عمر يناهز الثانية والثمانين عاما، بعد حياة حافلة بجليل الأعمال، شكلت وفاته خسارة كبيرة للأردنيين، نظراً للدور الكبير الذي اضطلع به، وللمكانة التي حققها طوال سني عمره، وقد دفن في بلدة أم العمد، المكان الذي أحبه، وأمضى فيه معظم حياته، وبالرغم من مرور عقود على رحيله فما زال ذكره بين الناس حياً، وستبقى ذكراه ما بقي الخير بين الناس عامراً، فالرموز الوطنية كالأشجار تثبت واقفة ما دامت أرض الوطن تحتضن أجسادهم الطيبة.

زر الذهاب إلى الأعلى