اعلى الصفحةمقالات

القضاة تكتب: ..عن “الترند” وتجاوز الأخلاقيات المهنية

خاص لـ “ديرتنا – عمّان  – كتبت رحاب القضاة ”

في المشهد الإعلامي الأردني الأخير برزت ممارسة مثيرة للقلق: توجيه كاميرات المصورين نحو شاشات هواتف النواب والمسؤولين خلال الجلسات الرسمية.
هذه الظاهرة التي انتشرت تحت شعار “محاسبة المسؤول” تحولت في كثير من الأحيان إلى مطاردة إعلامية غير أخلاقية تبحث عن “الترند” والمشاهدات أكثر مما تبحث عن الحقيقة أو المساءلة الحقيقية.

التجاوزات المهنية الصارخة

الصيد السهل بدل التحقيق الجاد

تحولت هذه الممارسة إلى بديل رخيص للصحافة الحقيقية، بدلاً من متابعة ملفات الفساد الكبرى وتحليل التشريعات وتقصي أداء النواب في اللجان المتخصصة، نجد بعض وسائل الإعلام تختصر طريقها إلى “الصيد السهل”: لقطة مكبرة لهاتف نائب يتابع مباراة أو يتصفح فيسبوك او يراسل زوجتة .
إنه استبدال الجوهر بالمظهر والتحقيق بالفضيحة السطحية.

انتهاك مقصود للسياق
الكثير من هذه اللقطات تُقدم مبتورة من سياقها.
نائب قد يطلع على هاتفه لدقيقة للرد على طارئ عائلي أو للتحقق من معلومة تخص الجلسة نفسها لكن الكاميرا تلتقط اللحظة مع تضخيم درامي يصورها كإهمال متواصل.
هذا تضليل إعلامي وبصري يُخفي الحقيقة أكثر مما يظهرها.

الترند على حساب المصلحة العامة
الأخطر هو تحويل العمل البرلماني إلى مسرح للاستعراض الإعلامي. بعض المنصات الإعلامية تتنافس على نشر هذه اللقطات لا لتعزيز الرقابة الشعبية بل لـ تجميع التفاعلات والمشاهدات مستخدمة عناوين إثارة مثل “صادم.. هذا ما يفعله نوابك أثناء مناقشة المليارات!”.
هنا تتحول المساءلة إلى مسرحية رخيصة والمواطن إلى مشاهد يستمتع بالإذلال العلني بدلاً من المشاركة الفاعلة.

الآثار المدمرة على العمل السياسي
تشويه بيئة العمل الديمقراطي
هذه الممارسات تُحول قبة البرلمان من مكان للحوار والعمل التشريعي إلى ساحة شك ومراقبة عدائية النتيجة؟
نواب يخافون من حمل هواتفهم أساساً أو يلجؤون إلى إخفاء شاشاتهم بطرق غير طبيعية مما يشوه جو العمل البرلماني ويحوله إلى حالة من البارانويا المستمرة.

تشتيت الانتباه عن القضايا الجوهرية
بدلاً من مناقشة جودة التشريعات والموازنات والملفات الوطنية الكبرى تتحول النقاشات العامة إلى جدل حول “من كان يلعب على هاتفه ومتى”.
هذا انتصار للشكليات على الجوهر وللصورة على المحتوى وللحدث العابر على الاستراتيجية الوطنية.مندوبي

المفروض ان نذهب نحو رقابة مهنية ومسؤولة:
التمييز بين الرقابة والتجسس
يجب وضع حدود أخلاقية وقانونية واضحة: تصوير الجلسات العامة وتصرفات النواب العلنية حق مشروع لكن تقريب الكاميرا لتصوير شاشة هاتف شخصي هو تجاوز.
الفرق بين الرقابة الشعبية والتجسس الخاص يجب أن يكون واضحاً في الممارسة الإعلامية.

عودة للصحافة الجادة
الأردن يحتاج إلى إعلام يراقب الأداء لا الشاشات يحلل القرارات لا حركات الأيدي يتابع التصويت على القوانين لا التصفح على الهواتف. الرقابة الحقيقية تكون في متابعة سجل التصويت وتحليل المقترحات التشريعية وكشف تضارب المصالح – كلها أمور تتطلب جهداً تحقيقيّاً حقيقياً وليس مجرد لقطة سريعة.

نحن نستحق أفضل من هذه المسرحية
هذه الممارسات لا تخدم الشفافية، بل تخدم الإذلال العلني. لا تبني رقابة شعبية حقيقية بل تبني استعراضاً إعلامياً رخيصاً. الأردن الذي لديه قضايا مصيرية تواجهه – اقتصادية واجتماعية وإقليمية – يستحق حواراً جاداً حول السياسات وليس متابعة هامشية لشاشات الهواتف.

عندما تتحول الكاميرات من أدوات مساءلة إلى أدوات ملاحقة شخصية نُفقد جميعاً: يفقد النواب كرامتهم المهنية ويفقد الإعلام مصداقيته ويفقد المواطنون فرصة حقيقية لفهم ومناقشة القضايا التي تمس حياتهم اليومية ومستقبل أولادهم.

لا تكونوا جزءاً من هذه الدوامة الإعلامية المُبتذلة.
اطلبوا من مندوبي إعلامكم متابعة أداء نوابكم في اللجان في التصويت في المقترحات التشريعية
وليس في ما يعرض على شاشات هواتفهم.
لأن الأردن وأزماته الحقيقية أكبر بكثير من حجم شاشة هاتف.

زر الذهاب إلى الأعلى