مقالات

العقبة..د.الطراونة تكتب: بين الجوع وصوم الروح

ديرتنا – العقبة

بقلم: د. ميسون محمد الطراونة

قبل أن يهلّ رمضان بأيام، تتبدل ملامح المدن. الأسواق تزدحم، العربات تمتلئ، والوجوه تحمل مزيجًا من الحماسة والقلق. مشهد يتكرر كل عام حتى أصبح جزءًا من طقوس الاستقبال غير المعلنة للشهر الكريم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن نستعد للصيام… أم نستبق الجوع؟

رمضان في جوهره انتقال من إشباع الجسد إلى تهذيب الروح، من الامتلاء إلى التخفف، من العادة إلى الوعي. ومع ذلك، يسبقه اندفاع استهلاكي لافت، كأن الإنسان يخشى أن يدخل تجربة الجوع دون أن يؤمّن لنفسه فائضًا من الطعام. هنا لا نتحدث عن شراء طبيعي للاحتياجات، بل عن سلوك جماعي يتجاوز الحاجة إلى التخزين، ويتحول إلى شعور خفي بالأمان المؤقت.

أول أبعاد هذه الظاهرة يرتبط بالتغير. فالعقل البشري بطبيعته يميل إلى الثبات ويقلق من التحولات المفاجئة. ورمضان يفرض تغييرًا شاملًا في الإيقاع اليومي: مواعيد الطعام، النوم، العمل، وحتى العلاقات الاجتماعية. هذا التحول، رغم قدسيته، يوقظ داخل الإنسان حاجة لتعويض الشعور بعدم الاستقرار، فيلجأ إلى فعل يمنحه إحساسًا بالسيطرة، والشراء أحد أسرع هذه الأفعال.

البعد الثاني يتمثل في الخوف من النقص. الذاكرة الجمعية للمجتمعات تحتفظ بصور قديمة عن ارتفاع الأسعار أو شحّ بعض السلع. حتى لو لم يكن هناك خطر حقيقي، يبقى أثر الخوف حاضرًا في اللاوعي، فيتحول إلى اندفاع نحو التأمين المسبق. وهكذا يتحول الاستعداد المشروع إلى إفراط غير محسوب.

أما البعد الثالث فهو اجتماعي بامتياز. حين يرى الفرد ازدحام الأسواق وكثرة المشتريات، يترسخ لديه أن هذا هو السلوك الطبيعي. تنتقل العدوى السلوكية بسرعة، ويتراجع القرار الفردي الواعي، فتتكرس الظاهرة كعادة سنوية لا يُسائلها أحد.

لكن المفارقة الكبرى أن الصيام شُرع ليعيد ترتيب العلاقة مع الرغبة، لا ليؤججها قبل دخوله. قال تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
وقال النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه».
الاعتدال أصل، والإفراط خلل في الفهم والممارسة.

حين نسبق رمضان بالتخزين المفرط، فإننا نحاول معالجة قلق داخلي بأدوات خارجية. غير أن الطمأنينة لا تُشترى، والأمان لا يتحقق بتكديس السلع. بل إن كثرة المشتريات قد تتحول لاحقًا إلى مصدر ضغط جديد: هدر، إسراف، وشعور بالذنب يتناقض مع صفاء الشهر.

الحلول تبدأ بالوعي لا بالمنع. إعداد قائمة دقيقة، تقدير الكميات بناءً على الاستهلاك الفعلي، مراجعة المخزون قبل الشراء، وتأجيل ما يمكن تأجيله. كما أن التهيؤ الروحي المسبق يقلل من القلق المرتبط بالتغيير؛ فحين يستعد الإنسان داخليًا، تقل حاجته إلى التعويض الخارجي.

القضية في جوهرها ليست في الأسواق، بل في فهم معنى الجوع ذاته. الجوع في رمضان ليس تهديدًا، بل تدريب. ليس نقصًا، بل مساحة لإعادة ترتيب الأولويات، وتهذيب العلاقة مع الرغبة.

بين الجوع وصوم الروح يختار الإنسان كيف يستقبل الشهر: بعربة ممتلئة… أم بقلب مستعد. وإذا كان لا بد من امتلاء، فليكن امتلاء وعي لا امتلاء رفوف.

 

زر الذهاب إلى الأعلى