القضاة تكتب: الضمان الاجتماعي الأردني: معركة الثقة بين جيب المواطن وقرار السلطة
خاص لـ “ديرتنا” – كتبت رحاب القضاة :
في اللحظة التي يشتعل فيها الجدل حول قانون الضمان الاجتماعي في الأردن، لا يعود النقاش تقنياً ولا محاسبياً فقط بل يتحول إلى سؤال أخلاقي كبير.
سؤال يمسّ معنى العدالة ذاتها.
هنا تتقدم الآية الكريمة لتكون ميزاناً لا يحتمل التأويل المريح:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 188].
هذه ليست آية عابرة في سياق تعبدي بل قاعدة حاكمة للعلاقة بين المال والسلطة والناس.
المال في النص القرآني ليس رقماً في صندوق استثماري بل أمانة. والأكل بالباطل ليس فقط سرقة ساذجة في زقاق مظلم بل كل صورة من صور الاستيلاء على حقٍّ بغير وجه مشروع: غصب رشوة تحايل قانوني استغلال ثغرات تشريعية أو تمرير قرارات تمسّ جيوب الناس دون شفافية كاملة.
عندما يناقش الأردنيون تعديلات قانون الضمان الاجتماعي الصادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وتحت قبة مجلس النواب الأردني فإنهم لا يعترضون على الإصلاح بوصفه فكرة.
الإصلاح ضرورة في أي نظام مالي يواجه تحديات ديموغرافية واقتصادية.
لكن الخوف الحقيقي يتسلل من زاوية أخرى: هل يدفع العامل ثمن أخطاء لم يصنعها؟
هل تتحول الاستدامة إلى شعار يُبرر تحميل الأفراد أعباء إضافية دون كشفٍ كامل للأرقام والدراسات الاكتوارية؟
الآية تقول: “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”.
اللافت هنا أن الخطاب جاء بصيغة “أموالكم” لا “أموال غيركم”.
وكأن القرآن يذكّرنا أن المال العام هو مال الجميع وأن العبث به هو أكلٌ من لحم الجسد نفسه.
عندما يُفرض على العامل تمديد سنوات خدمته أو تتغير معادلات احتساب تقاعده دون حوار وطني حقيقي فالمسألة لا تُقاس فقط بجداول الأرقام بل بميزان الثقة.
ثم تأتي العبارة الأخطر: “وتدلوا بها إلى الحكام”.
الإدلاء هو إلقاء الشيء ليُحكم فيه. في سياقنا المعاصر هو توظيف السلطة التشريعية أو التنفيذية لتمرير ما قد لا يقبله الضمير العام لو عُرض بشفافية كاملة.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تم إشراك النقابات؟
هل نُشرت الدراسات المالية بوضوح؟
هل تم احتساب أثر التضخم وتآكل القوة الشرائية على رواتب المتقاعدين بعد عشرين عاماً؟
المجتمع الأردني ليس ضد الدولة بل يخاف عليها.
يخاف أن تتآكل الثقة اكثر لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي نظام ضمان وبدونها يتحول الاشتراك من مساهمة تضامنية إلى شعور بالإكراه.
الاقتصاد ليس معادلات فقط، بل هو عقد اجتماعي.
وإذا اختلّ العقد ارتفعت كلفة كل شيء: كلفة الاستثمار وكلفة الاستقرار وحتى كلفة الصمت.
من منظور أعمال بحت أي نظام تأمين اجتماعي يعتمد على ثلاثة أعمدة: الاستدامة المالية العدالة التوزيعية والشرعية المجتمعية. إذا تم تعزيز الأول على حساب الثاني والثالث فالنظام يصبح رقمياً صحيحاً وسياسياً هشّاً. والاستدامة التي تُبنى دون رضا الناس تشبه بناية شاهقة على أرض رخوة تبدو صلبة حتى أول هزة.
الآية ختمت بـ “وأنتم تعلمون”. المعرفة هنا تعني المسؤولية.
لا يمكن لأي جهة أن تختبئ خلف التعقيد الفني
الناس اليوم تقرأ وتتابع وتفهم. جيل كامل يحسب اشتراكاته على الآلة الحاسبة ويقارن بين ما سيدفعه وما سيحصل عليه. تجاهل هذا الوعي خطأ استراتيجي.
المطلوب ليس إسقاط الإصلاح بل تحصينه بالشفافية.
نشر الأرقام كاملة فتح حوار وطني صريح.
تقديم ضمانات حقيقية بعدم المساس بالحقوق المكتسبة.
لأن الضمان الاجتماعي ليس صندوقاً مالياً فقط هو وعد. والوعد حين يُكسر لا تُصلحه التعديلات القانونية بل تعالجه العدالة.
والعدالة
في النهاية ليست شعاراً سياسياً. هي امتحان ضمير.
ومن يمرّره بسلام يربح الناس… ويربح المستقبل.
*مساعد مدير التحرير