اعلى الصفحةمقالات

القضاة تكتب: “الكمية محدودة” و”الكرامة مهدورة” ..!!؟

خاص لـ ديرتنا  – عمّان – كتبت رحاب القضاة :

في هذا البلد، أصبحنا نكتفي بأن تلمّح لعبارة “كمية محدودة” ،حتى يتحوّل المواطن إلى عدّاء أولمبي تتحول عبوة الزيت التونسي أو الإسباني أو حتى البلدي، اليوم،  إلى أسطورة إغريقية اسمها: “عبوة الخلاص”.

مشهد على أبواب المؤسسة الاستهلاكية المدنية لم يكن بيعًا بالتجزئة بل اختبارًا عمليًا في نظرية الفوضى.
كل قوانين الفيزياء انهارت: المسافة بين الباب والرف صارت أقصر من المسافة بين المنطق والاندفاع.
الأكتاف تفاوض الأقدام تصوّت والعبوة في الداخل تجلس ببرود وكأنها تقول: “أنا مجرد زيت… لِمَ كل هذا الحب العنيف؟”

في لحظة ما شعرت أن العبوات يجب أن تُمنح أرقامًا وطنية.
هذا ليس شراءً هذا سباق بقاء. خمس لترات تساوي ساعات من الكرامة المعلقة على شماعة الخصم أو توفر المادة.
السيارات اصطفت كما لو أن العاصمة قررت أن تمارس هواية الاختناق الجماعي.
الإشارات الضوئية تومض بخجل وكأنها تقول: “أنا أنظّم المرور لا أُنظّم الطموحات.”

المأساة هنا ليست في الزيت. الزيت بريء صافٍ مستخرج على البارد.
المأساة في الحرارة التي تشتعل داخلنا حين نشم رائحة فرصة. نحن شعب يعرف كيف يحوّل أي سلعة إلى حدث وأي خصم إلى ملحمة.
نغضب من الفوضى ثم نصنعها بأيدينا ثم نصورها ثم نتساءل ببراءة: “كيف وصلنا إلى هنا؟”

أكثر ما يوجع في الكوميديا أن الضحك يخرج مكسورًا.
ترى وجوهًا متعبة تركض خلف توفير بسيط وتعرف أن القصة أعمق من عبوة.
القصة اقتصاد يضغط وثقة تهتز وناس تريد أن تربح نصف دينار كأنها ربحت المعركة كلها.
وفي الزاوية يقف من يفرك يديه: السوق لا يكره الفوضى السوق يتغذّى عليها.

خمسة لترات كشفت ما لا تكشفه الخطب الطويلة.
كشفت أن الطابور ليس خطًا مستقيمًا بل مرآة.
من يزاحم من يستثمر من يتفرج من يضحك من يبكي.
تراجيديا كاملة في علبة بلاستيكية.

وفي الختام…
الزيت لم يكن البطل ولا المجرم. كان مرآة فقط.
مرآة لناس تتزاحم لأن جيوبها لم تعد تتحمّل فلسًا إضافيًا ومرآة لحكومة تكتشف الفوضى بعد أن تقع لا قبل أن تطرق الباب.

العتب ليس على المواطن الذي يركض.
الجائع يركض وهذه ليست فلسفة هذه بيولوجيا.
العتب على إدارة مشهد يفترض أنه بسيط: سلعة غذائية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة كسر عظم. العتب على سياسات تجعل خمسة لترات تبدو كأنها مشروع إنقاذ وطني.

والعتب أيضًا على عالمٍ يفيض زيتًا في مكان ويترك الناس تتدافع في مكان آخر.
عالمٌ يقيس القيمة بسعر البرميل لا بكرامة الإنسان.
عالمٌ يجعل الوفرة إعلانًا تلفزيونيًا والاحتياج مشهدًا حيًا على الرصيف.
الحكومة مطالبة أن ترى أبعد من الطابور.
أن تفهم أن الفوضى ليست سوء تنظيم فقط بل إنذار مبكر.
حين يصبح الزيت حدثًا فالمسألة ليست في العبوة… بل في المنظومة.
والناس؟
الناس ليست شريرة.
الناس خائفة من الغد والغد حين يصبح مكلفًا يتحول الحاضر إلى ساحة سباق.

هذه ليست قصة زيت.
هذه قصة كرامة تُختبر عند كل خصم وكل طابور وكل باب يُفتح متأخرًا.
وما يؤلم حقًا… أن الجوع لم يعد جوع خبز فقط بل جوع عدالة.

*مساعد مدبر التحرير

زر الذهاب إلى الأعلى