اعلى الصفحةالرئيسيمقالات

القضاة تكتب: الدُّب الأحمر يشنق نفسه..حين يصبح الرمز أبلغ من الخطب ! – فيديو

خاص لـ ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة :

في صباحٍ أردنيٍّ عاديٍّ… حيث ترتفع الأسعار أسرع من درجات الحرارة في آب وانا ذاهبة في طريقي كان الصباح على مشهد لا يحتاج إلى بيانٍ حكومي لتفسيره. دمية دبٍّ احمر ضخم تتدلّى من حبلٍ في قلب العاصمة عمّان ، وتحديدًا عند دوار الواحة
وكأنها قررت أن تختصر النشرات الاقتصادية في مشهدٍ واحد: “الدببة أيضًا لم تعد تتحمّل”.

الدب – الذي يفترض به أن يكون رمز الطفولة والحنان وغفلة العالم – تحوّل فجأة إلى بيان احتجاجي معلّق.
لا لافتة لا خطاب لا مؤتمر صحفي. فقط فروٌ احمر يتأرجح في الهواء كأنه يقول: “لقد حاولت أن أحتفظ بابتسامتي القطنية… لكن التضخم كان أقوى من الحشو الداخلي”.

المشهد ساخر لدرجة الوجع
دمية بلا روح تتدلّى احتجاجًا بينما أصحاب الأرواح يمشون تحتها منشغلين بأقساط المدارس وفواتير الكهرباء وأمنيات مؤجلة بحياةٍ “عادية”.
الدب لم يشنق نفسه لأنه خسر في البورصة بل لأنه اكتشف أن سعره في السوق صار أرخص من كلفة شحنه.

اقتصاديًا – الان نتكلم بلغة الأرقام التي لا تضحك – حين ترتفع كلفة المعيشة ولا يرتفع الدخل
تتآكل القدرة الشرائية.
وحين تتآكل القدرة الشرائية
تتآكل معها الأعصاب.
وحين تتآكل الأعصاب نصل إلى مرحلة يعلّق فيها الناس دمية بهذا المنظر ليقولوا ما لم يعد يُقال. إنها إدارة أزمة بأسلوب مسرحي. احتجاج بصيغة كرتونية.
رسالة تقول: “حتى الألعاب لم تعد لعبة”.

السخرية هنا ليست خفيفة الدم. إنها تراجيديا ترتدي فروًا أحمراً. الدب يتأرجح فوق السيارات الصفراء
فوق المحال التي تعرض تخفيضاتٍ لا تُغري إلا الجيوب الفارغة
فوق مكيفاتٍ تئنّ من الضغط الكهربائي كما يئنّ المواطن من الضغط المالي.
كأن المدينة كلها تقول: “نضحك… كي لا نختنق”.

هناك من سأل: من علّقه؟ والسؤال الأصدق: ما الذي علّقنا جميعًا في هذا المشهد؟
حين يصبح الرمز أبلغ من الخطب وحين تتحول الدمية إلى متحدث رسمي باسم القلق الجمعي نكون قد دخلنا مرحلة جديدة من التعبير الشعبي: الاحتجاج الناعم الذي يوجع أكثر من الصراخ.

الطفل الذي يمرّ من هناك قد يسأل أمه: “ليش الدب شانق حاله؟”
والأم – لو أرادت الصدق الكامل – قد تجيب: “لأنه حاول يعيش حياة كريمة”.

المفارقة أن الدب بلا قلبٍ حقيقي ومع ذلك يبدو الأكثر صدقًا في التعبير.
أما نحن بقلوبنا العامرة بالخوف والحسابات فنكتفي بالتقاط الصور ونكتب: “الوضع صعب”.
وكأن الصعوبة ضيف عابر لا مقيم دائم في تفاصيل يومنا.

هذا الدب ليس نكتة شارع. إنه بيان تراجيدي مغلف بروح الدعابة. رسالة تقول إن الاقتصاد ليس أرقامًا في تقرير بل أعصابًا مشدودة وأحلامًا مؤجلة وأمهاتٍ يقلن لأولادهن: “مو هسا”.

وفي النهاية… يبقى الدب معلّقًا يهتزّ مع الريح كأنه يلوّح بسؤال ثقيل: كم يجب أن نتأرجح بعد قبل أن نلامس أرضًا ثابتة؟
المدينة تمضي.
السيارات تمرّ.
الأسعار ترتفع .
والدب… يبتسم ابتسامته القطنية الثابتة كأنه يقول للحكومة وللعالم الجائع: “حتى الدمى نفد صبرها… فمتى يأتي دور الحلول؟”

* مساعد مدير التحرير

زر الذهاب إلى الأعلى