الحكومات المتعاقبة هي السبب..المبيضين يكتب عن مراهقو السياسة في الاردن و التوقيت السيء والخطير “لتعديلات الضمان”و إحداث هزة في الشارع الأردني..
ديرتنا – عمّان – كتب توفيق المبيضين
توقيت سيء وغير موفق
جاء مشروع تعديل قانون الضمان الإجتماعي المطروح حاليا ، في ظل أجواء إقليمية ملتهبة، وتهديدات وحشود عسكرية أميركية ضد دول في المنطقة ، وتصريحات للسفير الأميركي في تل أبيب، من أن “إسرائيل”من حقها ان تستولي على ما اسماها “أرض التوراة”وهي الاردن وفلسطين بما فيها الضفة الغربية والأردن والعراق والسعودية وغيرها ، هذه التصريحات التي لم تكن تعبر عن رأي شخصي للسفير الصهيوني سيء الذكر، بل كانت تعبّر عن توجهات واشنطن ورئيسها الحالي، ما يعني أن الشارع الأردني الذي يئن ويترقب ويغلي، وجاء مراهقو السياسة ليشعلوه ، بإستفزاز الشعب، بطرحهم لمشروع تعديلات الضمان، والذي لم يكن موفقا في كثير من تعديلات مواده المقترحة والخطيرة، وكان بمثابة القنبلة الموقوتة .
الشارع الأردني ليس بحاجة لمزيد من الغليان ولا مزيدا من الإحباط ، في ظل أوضاع إقتصادية متردية وتدني مستوى المعيشة للمواطن وإرتفاع نسبة البطالة وتزايد إرتفاع الأسعار وغلاء المعيشة ” وهم ينتظرون الأيام الجميلة التي لم تأتي بعد”، فجاء مراهقو السياسة ليزيدوا الطين بّلة …! فالحكومة تخطئ والمسؤول يخطئ ولا أحد معصوم ، وليس خطأ التراجع والتصويب وأعادة النظر، والتراجع عن الخطأ فضيلة .
صحيح أن أي مؤسسة تأمينية / تقاعدية تهدف إلى الدعم الإجتماعي، تحتاج بين فترة وأخرى لأعادة النظر في سياساتها وقوانينها وتعليماتها وإعادة هيكلة وإصلاح كثيرا من الإختلالات لديها ، لهذا تلجأ لـ “الدراسات الإكتوراية الدورية”، لتعرف أين هي الآن وإلى أين تتجه ، لتبقى مستمرة في عطائها وديمومتها، لكن يبقى هدفها الأول هو” الدعم الإجتماعي” وليس تدمير المجتمع وإحباطه” .
لماذا وصل حال الضمان الإجتماعي في الأردن لهذا المستوى وإقترابه من نقطة الخطر ومن المسؤول؟
1 – من المعلوم أن قانون ومؤسسة الضمان الإجتماعي صدر وتأسست عام 1978 ، وبعد مرور نحو أقل من عشر سنوات، تجمّع لدى مؤسسة الضمان سيولة نقدية كافية لأن تضع الحكومة عينها عليه ، وحيث كان لدى الحكومة شركات وصناعات، معظمها فاشلة وخاسرة بسبب نخر الفساد بها، وحيث ان أموال الضمان الإجتماعي وحتى اللحظة تحت ايدي وسيطرة الحكومة، بدأت الحكومات المتعاقبة بالإيعاز، لا بل ، بإصدار الأوامر للضمان الإجتماعي بشراء هذه الشركات والصناعات الخاسرة، ولإخراج الحكومات ومسؤوليها من المأزق والإحراج والسؤال، و لكي لا يقال ان الشركة الحكومية الفلانية والمصنع الحكومي يتكبد خسائر مستمرة ومتواصلة وأفلست ، فقاموا ” بتلبيسها “ للضمان الإجتماعي . أي أنهم حمّلوا المشتركين والمتقاعدين وزر وخسائر هذه الشركات وفساد مسؤوليها ، والكل يعلم، ان هذه الشركات تم تصفيتها في النهاية،والأمثلة على ذلك كثيرة، وكل ذلك على حساب الضمان الإجتماعي، حيث المؤسسة كانت مالكها الأخير !!!؟ حينها ، وتدريجيا ، طارت عشرات ومئات الملايين في الهواء…!
2 – معظم المشاريع / المنشآت المملوكة للضمان، خصوصا السياحية منها ، تتكبد خسائر فادحة ومستمرة ، وبإستثناء القروض الممنوحة وسندات الإقراض، والقروض الممنوحة للمتنفذين ومدراء و موظفو الضمان بفوائد متدنية، حيث لم يخرج صندوق إستثمار الضمان عن التفكير خارج الصندوق، فهناك إمكانية كبرى للإسثمار وتأسيس شركات كبرى كالبنوك والإتصالات وشركات النفط والمحروقات وهذه القطاعات ذات ربحية عالية جدا ، ولم يسبق أن خسرت أو أفلست، إلا من نخرها الفساد.، كبنك البتراء وبنك عمّان للإستثمار .! ولا ننسى الفروق الكبيرة في أسعار الأراضي المشتراه والمملوكة للضمان قياسا بالفروقات بين قيمها السوقية حاليا وحين شرائها ، علما من المعروف ان الإستثمار في الأرض والعقار على المدى الطويل، مثل الذهب، لا يخسر أبدا ، فكيف ولماذا يخسر هذا البند ؟؟…!
3 – قامت الحكومات المتعاقبة بـ “إفقار” صندوق إستثمار الضمان ، وذلك بالحد من قدرته الكبيرة على الإستثمار النافع و المُجدي، من خلال سحبها للسيولة المتوفرة لديه، بالإقتراض منه ، سواء بشكل مباشر او من خلال السندات وبفوائد متواضعة، فلم يعد بإمكان الصندوق، حتى التفكير بفتح وإنشاء مشاريع إقتصادية كبيرة يمكنها من تحقيق مردود ربحي جيد وممتاز ، للصندوف والخزينة من خلال الضرائب والرسوم …! حيث بلغت مديونية الحكومة لصندوق الضمان حتى تاريخه نحو 11 مليار دينار ويقال أكثر …! ، وحيث ان موجودات الضمان قالوا انها حاليا بلغت نحو 17 مليار، يطرح منها 11 مليار وأكثر مديونية الحكومة، يبقى 6 مليار دينار من الموجودات، معظمها او نسبة عالية منها أراض وعقارات وأسهم ومشاركات في شركات بعضها يخسر أيضا..!
4 – قيام الحكومات المتعاقبة ، ومنها الحكومة، بإحالة عشرات الآلاف من الموظفين إلى التقاعد المبكر وهم في إوّج عطائهم ،للتخلص من نفقات رواتبهم ، ما أدى لحدوث إختلالات بعشرات الملايين ، حيث كانت الدراسات الإكتوارية السابقة، تتوقع توريد إشتراكاتهم في الضمان بإعتباراها الممول الرئيس للصندوق، وإنقلبت وتحولت إلى نفقات تقاعدية ، ما أحدث خللا كبيرا بين الواردات والنفقات المتوقعة.
5- الرواتب والإمتيازات العالية التي حصل ويحصل عليها مدراء ومظفو الضمان الإجتماعي وصندوق إستثماره، تزيد أضعافا عن عن مثلهم في القطاع العام، يحملون نفس المؤهلات العلمية والخبرات وأكثر..!! فمن رواتب ومكافآت وعضوية مجالس إدارات للمدراء والمسؤولين ..الخ ..فهذه ليست بمتناول معظم موظفي القطاع العام ، بإستثناء موظفي “الهئيات المصطنعة” والمنشأة أصلا لتعيين وتوظيف أبناء أصحاب الدولة والمعالي والعطوفة والسعادة ومن في حكمهم ..!!..
كل ذلك ، بالتأكيد ، كان ولا زال، على حساب مشتركي الضمان الإجتماعي، ولاحقا متقاعدوه..!! ، فكيف بهذا كله ، يمكن للضمان الإجتماعي البقاء والديمومة ؟! فبأي حق تنوي الحكومة وترغب تحميل المشترك والمتقاعد وزر أخطائها وقراراتها الطائشة وغير الرشيدة ..؟
أعتقد إن إستمر هذا النهج وهذا الإسلوب وبقاء سيطرة الحكومة على أموال الضمان وبقاء هذه الأموال بمتناول يدها ، حيث بهذا النهج ، ولغايات بقاء الضمان والراتب التقاعدي في ديمومة، فليس من المستغرب ان تقوم أي حكومة مستقبلية ، برفع سن التقاعد الوجوبي لـ 70 وأكثر ، ورفع نسبة الإقتطاع لـ 50 % أو أكثر، من راتب المشترك ؟ ، و”سيبقى العجز حاضرا” ..، ومن كرسي الوظيفة لمن يبقى على قيد الحياة ويعمل، إلى المقبرة، إلّا من أطال الله في عمره وأصبح معمّرا ،على غير ما يتمناه الضمان …!!! والمسؤول عن ذلك كله هي الحكومات وسياساتها ونهجها، وليس غيرهما، وليس المواطن ولا المشترك ولا المتقاعد، فلماذا يتحمل المواطن وزر وأخطاء الحكومات المتعاقبة .. وللحديث بقية..
ناشر ومدير تحرير ديرتنا الأردنية الإخبارية