مقالات

القضاة تكتب: القانون لا يجامل..من يسبب الضرر… يدفع الثمن..هلاك الشوارع وتكسير المركبات

خاص لـ ديرتنا – عمّان  – كتبت رحاب القضاة :

في القانون هناك قاعدة تبدو بسيطة لكنها ثقيلة كميزان العدالة:
ما تقوله المادة 256 من القانون المدني الأردني واضح وصريح:
كل إضرار بالغير يلزم فاعله بضمان الضرر.

القانون هنا لا يجامل أحدًا.
من يسبب الضرر… يدفع ثمنه.

لكن دعونا ننزل قليلًا من رفوف الكتب القانونية إلى أرض الواقع… إلى الشارع حرفيًا هذه المشكلة اليومية

نحن لا نمشي على طرق.
نحن نمشي فوق اختبار يومي لأعصاب السيارات.

كل صباح يخرج الأردني بسيارته كما يخرج محارب قديم إلى معركة غير متكافئة.
ليس مع الزحام… بل مع الحفر.
ليس مع الإشارات… بل مع المناهل المرتفعة كأنها أفخاخ معدنية.
ليس مع الطريق… بل مع طرق لم تعد تشبه الطرق أصلاً.

شوارع تتكسر فيها رأس الأكسات
وتتمزق فيها الإطارات
وتئن فيها المساعدات كأنها تشكو إلى الله.

ثم نعود إلى البيت ونفتح الفاتورة.

فاتورة إصلاح.
فاتورة تبديل قطع.
فاتورة ميزان.
فاتورة إطار جديد.

وفي نفس اللحظة… نحن ندفع:

ضريبة.
رسوم ترخيص.
رسوم طرق.
مسقفات.
ورسوم لا يعرف أحد حتى لماذا وُجدت أصلًا.

المعادلة هنا غريبة بشكل عبثي.

المواطن يدفع للدولة كي تبني الطريق
ثم يدفع مرة ثانية كي يصلح سيارته بسبب الطريق.

وكأننا اشترينا التذكرة… ثم دفعنا ثمن الكرسي المكسور أيضًا.

السؤال ليس عاطفيًا بل قانوني بارد مثل نص المادة:

إذا كان كل إضرار بالغير يلزم فاعله بضمان الضرر
فمن يضمن الضرر الذي يحدثه الطريق نفسه؟

من يضمن آلاف السيارات التي تُكسر يوميًا؟
من يعوض الناس عن الأضرار التي تحدث بسبب:

مناهل أعلى من مستوى الشارع
مطبات تحولت إلى مطجّات
وشوارع تبدو كأنها خرجت من حرب.

المشكلة ليست حفرة هنا أو هناك.

المشكلة أعمق…
المشكلة اسمها إدارة العطاءات.

العطاء يُمنح.
الشركة تعمل.
الشارع يُعبد.
الصور تُلتقط.
الشريط يُقص.

ثم بعد أشهر قليلة… يبدأ الشارع في التفكك كأنه مصنوع من ورق.

وهنا تبدأ الهمسات في الشارع:

أين ذهبت الأموال؟
كيف رُسيت العطاءات؟
ومن يراقب الجودة أصلًا؟

الناس ليست خبراء هندسة طرق…
لكنهم خبراء في شيء واحد: النتيجة.

والنتيجة يراها كل سائق كل يوم.

سيارات تتألم.
طرق تزداد سوءًا.
وأموال عامة تُصرف بلا أثر واضح على الأرض.

الأردني ليس شخصًا يطلب المعجزات.

هو فقط يريد طريقًا لا يكسر سيارته.
يريد أن يشعر أن الضرائب التي يدفعها تعود عليه خدمة حقيقية لا حفرًا أعمق.

وهنا يعود السؤال القانوني الصريح المباشر:

إذا كانت المادة 256 تقول إن من يسبب الضرر يضمنه…
فمن يضمن ضرر الطرق؟

من يعوض آلاف السائقين الذين يدفعون ثمن الإهمال كل يوم؟
من يحاسب على عطاءات تتبخر جودتها بعد أول شتاء؟
ومن يوقف نزيف المال العام الذي يختفي بين حفرة وأخرى؟

الأردني اليوم لا يطلب رفاهية.
الطريق حق.

لم يعد مقبولًا أن ندفع ثمن الطريق مرتين:
مرة في الضرائب… ومرة في الكراج.

ولذلك إن كان الضرر يتكرر ويتحول إلى نمط يومي يطارد سيارات الناس في كل شارع فقد حان الوقت أن يتحول الغضب من حديث المقاهي إلى ملفات قضائية.
أن يتحول صوت الإطار الذي ينفجر في حفرة… إلى لائحة دعوى.
وأن تتحول فاتورة الميكانيكي… إلى دليل في المحكمة.

لأن الشوارع ليست مصيدة للسيارات
والضرائب ليست اشتراكًا في الأعطال.

وإذا كان الطريق يكسر سيارات الناس كل يوم…
فربما آن الأوان أن نكسر الصمت أيضًا.

حينها فقط ستفهم الحفر درسًا قديمًا في القانون:
أن الضرر إذا تكرر… يتحول إلى قضية

* مساعد مدير التحرير

زر الذهاب إلى الأعلى