

خاص بـ ديرتنا الإخبارية – عمّان – كتبت رحاب القضاة :
في تلك الرحلة لم نكن نتحرك شمالًا فقط كنا نصعد ثم نهبط فجأة إلى الحقيقة.
إيمان الدبابنة مندوبة عن مكتبها السياحي ليست مجرد مندوبة مكتب سياحي.
هي مشروع وطن يسير على قدمين.
امرأة تعرف كيف تُحوّل “رحلة” إلى تجربة و”الطريق” إلى ذاكرة و”الناس” إلى عائلة مؤقتة لا تُنسى.
أما محمد الطويل الدليل السياحي
هذا الرجل لا يشرح هذا الرجل يُحيي الأماكن.
حين يتحدث تشعر أن الحجارة تُنصت وأن الأشجار تبتسم وأن التاريخ نفسه يقف احترامًا.
وعندما قالا جملتهما:
“أردننا جنة”
لم تكن شعارًا سياحيًا مكررًا… كانت حقيقة صادمة موجعة بجمالها.
ثم جاء السؤال على المايكروفون:
“هل سمعتم أحدًا ذمّ الأردن؟”
الصمت
كان الجواب: صمت يعرف أن هذا البلد رغم كل شيء لا يُكره
ومن غابات برقش إلى طبقة فحل حيث التاريخ يمشي بيننا بلا استئذان
إلى أم قيس حيث البساطة تكتب جمالها بهدوء…
كانت الصورة مثالية كأن الأردن يقول لنا: “أنا بخير لا تقلقوا.”
لكن الأردن—للأسف—لم يكن بخير.
الرحلة التي قادتها إيمان الدبابنة بعقل إداري يشبه غرفة عمليات دقيقة
وبرفقة الدليل محمد الطويل الذي لا يشرح المكان بل يعيد خلقه كانت درسًا في كيف يجب أن تُدار السياحة.
تنظيم، روح، شغف، واحترام لعقل الزائر.
ببساطة: نموذج يُدرّس.
ثم وصلنا إلى النقطة التي لا تُدرّس بل تُخجل.
في الشمال التقينا بصاحب فندق صح النوم.
رجل لم يتحدث كصاحب استثمار
بل كمن يحمل وجع منطقة كاملة على كتفيه.
قالها بصوت لم يكن ضعيفًا بل مُنهك:
كان هناك “منتجع الحمة السياحي”…
اسم كان يُنطق وكأنه وعد بالشفاء.
أُغلق منذ عامين.
ثم تم “استثماره” ثم… لا شيء.
عشر سنوات.
نعم عشر سنوات من الصمت الرسمي.
عشر سنوات من “سنفتتح قريبًا”… دون أن يُفتح شيء.
لكن الكارثة لم تقف هنا.
المياه الساخنة—التي كانت تجذب الناس من أقصى الجنوب
التي كانت روح المكان قلبه سبب وجوده تم تحويل مسارها إلى نهر اليرموك.
تم قطع الماء وكأنك قطعت النبض عن جسد حي.
والنتيجة؟
ليست “تراجعًا سياحيًا” لا تجمّلوا الكارثة.
انهيار.
استراحات أُغلقت.
أبواب سُكّرت أحلام تبخرت.
حوالي 300 موظف أصبحوا فجأة خارج اللعبة 300 قصة بلا دخل.
300 بيت ينتظر معجزة لا تأتي.
والفندق الوحيد في المنطقة؟
يقف الآن على حافة النهاية.
وصاحبه—الذي كان يقاوم—بدأ يفكر بصوتٍ عالٍ:
“يمكن أسكّر.”
وهنا لازم نحكيها بدون لف ودوران:
كيف لدولة تتغنى بالسياحة أن تترك كنزًا طبيعيًا يُغلق بهذه الطريقة؟
كيف لمياه كانت علاجًا ووجهة أن تتحول إلى “ملف منسي”؟
كيف يُعقل أن يستمر “استثمار” عشر سنوات… بلا نتيجة بلا محاسبة بلا خجل؟
الصدمة ليست في الإغلاق…
الصدمة في الصمت.
وفي نفس الرحلة—المفارقة المؤلمة—
كان صوت محمد الطويل يصدح:
“أردننا جنة.”
نعم… الأردن جنة.
لكن الجنة هذه يبدو أن فيها من يطفئ الأنوار واحدًا تلو الآخر.
القطاع الخاص الصغير يُقاتل.
مكاتب سياحية مثل التي تقودها إيمان الدبابنة تشتغل بروح وطن ليس بروح ربح فقط.
أدلاء مثل محمد الطويل يعطون من قلوبهم… ليس من نصوص محفوظة.
بينما في مكان آخر…
هناك من يدير الملفات كأنها أرقام لا أرواح.
هذا المقال، ليس للمدح .
إنه إنذار.
إن لم تفتح الحمة أبوابها لأبنائها.. إن لم تُعاد المياه…إن لم تُحاسب السنوات الضائعة…فنحن لا نخسر “موقعًا ومسارا سياحيًا”…نحن نخسر جزءًا من معنى الأردن.
وبصراحة موجعة: “برنامج ..جنة، لا يُدار بهذه الطريقة.
*مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية