القضاة تكتب عن فاجعة الكرك والصدمة التي أحدثتها جريمة مقتل الأطفال الثلاثة على يد والدهم: كيف تحول الأمان إلى خطر!؟
خاص لـ ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة :
لم يكن الخبر مجرد كلمات عابرة كان صفعةً توقظ القلب على حقيقة لا تُحتمل.
ثلاثة أطفال خرجوا بثقةٍ كاملة يظنون أن اليد التي تقودهم هي الأمان نفسه ولم يعودوا.
وفي لحظةٍ واحدة انكسر المعنى الأبسط للحياة: كيف يمكن أن يصبح الأمان هو الخطر؟
كانت صدمةً بحجم وطن
لا كانت لحظة انكسر فيها شيء عميق داخلنا جميعًا شيء كنّا نظنه لا يُكسر: فكرة أن الأب أمان.
في الكرك لم تُقتل أجساد صغيرة فقط بل قُتلت طمأنينة الناس وسقطت صورة البيت كملاذٍ أخير من قسوة العالم.
خرج بهم من الرصيفة رحلة طويلة طريق يمتد كعمرٍ كامل من الأسئلة.
في تلك المسافة لم يكن الصمت عاديًا كان صمتًا ثقيلًا كأنه ينتظر منه أن يتراجع أن يلتفت أن يقول: “لا… لن أفعلها”.
لكن شيئًا لم يحدث.
كيف يمكن لقلبٍ أن يواصل الطريق بينما في المقعد الخلفي تجلس براءة لا تعرف الخوف منه؟
كيف لم ترتجف يده وهو يرى عيونًا صغيرة تنظر إليه بنفس الثقة التي كانت تقول دائمًا: “هو معنا… إذًا نحن بخير”؟
هل نسي شكلهم وهم يركضون نحوه؟
هل خانته ذاكرته فجأة فلم تعد تعرض عليه صورهم وهم يضحكون بلا سبب فقط لأنه موجود؟
أين ذهبت تلك اللحظات التي كانت فيها ضحكتهم تساوي الدنيا؟
كيف تصبح الذكريات فجأة بلا وزن؟
ماذا عن تفاصيلهم التي كانت تملأ البيت حياة؟
أصواتهم في الصباح فوضاهم الجميلة ملابس العيد التي كانوا ينامون بها من شدة الفرح
ماذا عن أسئلتهم البسيطة التي كانت تُربكه أحيانًا وتُضحكه غالبًا؟
عن تلك النظرة التي كانت تقول: “أنت العالم” كيف خذل هذا العالم أصحابه؟
ثم جاءت اللحظة التي لا تُروى
ليس لأننا لا نعرفها بل لأننا لا نحتملها.
لحظة انطفأت فيها الرحمة كأنها لم تكن يومًا هنا.
لحظة صار فيها القرب خطرًا والحضن فخًا والاسم الذي كانوا ينادونه به آخر ما يمر في ذاكرتهم.
أي سقوطٍ هذا؟
أي ظلامٍ يمكن أن يبتلع إنسانًا إلى هذا الحد حتى لا يرى في وجوه أطفاله إلا وسيلة للانتقام لا روحًا؟
هذه ليست جريمة فقط
هذه مرآة موجعة تسألنا جميعًا:
متى يتحول الإنسان إلى غريبٍ عن نفسه؟
ومتى يصبح الغضب أقوى من الدم وأعلى صوتًا من الرحمة؟
ويبقى المشهد معلقًا في القلب ثقيلًا قاسيًا وقاتلًا ونحن نتنفس على الأرض لا يُنسى:
ثقةٌ لم تُخن من قبل فخُذلت.
وأرواحٌ لم تعرف من الدنيا إلا الأمان ففقدته في أكثر الأماكن التي كان يجب أن يحميها.
لا كلمات تكفي ولا وصف يشفي
فقط دعاء يتسلل من بين هذا الركام الثقيل:
أن يضمهم الله برحمته التي لا تُغلق أبوابها
وأن يمنح أمًا مكسورة قلبًا يتماسك رغم المستحيل
وأن يحمينا جميعًا من اللحظة التي قد نفقد فيها إنسانيتنا دون أن نشعر.
مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية