العقل العربي المهاجر: حين نستوردُ المعرفةَ ممّن تعلموها منّا!
ديرتنا – عمّان
نورة المشايخ
عند التأمل في المسار التاريخي للحضارة الإنسانية، يبرز العالم العربي والإسلامي بوصفه أحد أهم المراكز التي أسهمت في إنتاج المعرفة وتطوير العلوم والفلسفة لقرون طويلة.
فمنذ البدايات الأولى لتشكل الوعي الإنساني، ارتبط مفهوم العلم بالسعي إلى الفهم والتأمل والتفسير، وهو ما تجلى في مراحل مختلفة من التاريخ، بدءًا من التصورات الدينية الأولى للمعرفة، وصولًا إلى العصور التي ازدهرت فيها الفلسفة والعلوم.
غير أن هذا الحضور المعرفي، الذي بلغ ذروته في عصور الازدهار، يبدو اليوم في حالة من التراجع النسبي أمام تحولات كبرى في بنية إنتاج المعرفة عالميًا، مما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف انتقل العالم العربي من موقع المنتج للمعرفة إلى موقع المستهلك لها؟
الجذور الأولى للمعرفة الإنسانية وبدايات الوعي
لا تنفصل نشأة المعرفة عن نشأة الإنسان نفسه، إذ تبدو المعرفة منذ البدايات الأولى جزءًا أصيلًا من تكوين الوعي البشري، لا كمعطى لاحق، بل كضرورة وجودية ارتبطت بفهم الإنسان لذاته والعالم من حوله.
وفي التصور الديني الإسلامي، يرتبط مفهوم التعلم منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان على الأرض، إذ يشير القرآن الكريم (بسورة البقرة: الآية 31) إلى أن الله سبحانه وتعالى علّم آدم الأسماء كلها، في دلالة رمزية على بداية تشكّل المعرفة بوصفها فعلاً إدراكيًا يقوم على الفهم والتسمية والتصنيف، وهو ما يمثل أول أشكال الوعي الإنساني المنظّم.
وكما يرد في القرآن الكريم في (سورة المائدة: الآية 31) في دلالة على تطور الفهم الإنساني عبر التجربة او المحاكاة، وذلك في قصة سيدنا آدم عليه السلام، حين أرسل الله تعالى غرابًا ليُريه كيف يواري سوءة أخيه، في إشارة إلى أن التعلم لا يقوم فقط على الوحي أو التلقين، بل أيضًا على الملاحظة المباشرة والتجربة واكتساب المعرفة من الطبيعة.
ومن هنا يتضح أن المعرفة في جذورها الأولى لم تكن معرفة نظرية مجردة، بل كانت عملية تدرّج إدراكي تبدأ من الملاحظة، ثم الفهم، ثم الاستيعاب، ثم بناء المعنى. وهذا التسلسل يشير إلى أن الإنسان منذ بدايته كائنٌ متعلم بطبيعته، يتشكل وعيه عبر التجربة والاكتشاف.
وأن المعرفة ليست حالة ثابتة، بل مسار تطوري مرتبط بقدرة الإنسان على السؤال والتأمل وإعادة تفسير العالم من حوله، مما يؤدي الى تشكيل حضارات وسلوكيات ومعرفة لدى الانسان.
العصر الذهبي للمعرفة في الحضارة العربية الإسلامية
شهد التاريخ العربي والإسلامي مرحلة ازدهار معرفي وفكري كبير، امتدت بشكل واضح خلال العصر العباسي (750م – 1258م)، وتجلّت في حركة الترجمة والتأليف والتأسيس العلمي في مجالات متعددة مثل الطب، والفلسفة، والرياضيات، والفلك، خاصة في مراكز علمية كبرى مثل بيت الحكمة في بغداد.
برز في هذه المرحلة عدد من العلماء والفلاسفة الذين أسسوا لمدارس فكرية لا تزال مؤثرة حتى اليوم، ومن أبرزهم:
* ابن سينا (980م – 1037م) في الطب والفلسفة العقلية.
* ابن رشد (1126م – 1198م) في الفلسفة العقلانية والتأويل.
* ابن خلدون (1332م – 1406م) الذي أسس لعلم الاجتماع وتحليل العمران البشري.
هذه المرحلة تُشكل نموذجًا حضاريًا يقوم على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط، حيث كانت مراكز العلم في بغداد وقرطبة والقاهرة تُمثل مراكز إشعاع فكري عالمي، أسهمت في نقل وتطوير المعرفة الإنسانية عبر الترجمة والتأليف والإبداع العلمي.
من الإنتاج إلى الاستهلاك المعرفي
مع التحولات التاريخية الكبرى، بدءًا من مرحلة ما بعد العصر العباسي المتأخر (تقريبًا من القرن الثالث عشر الميلادي / 13م)، وما رافقها من تراجع سياسي وحضاري، مرورًا بسقوط بغداد عام 1258م على يد المغول، وصولًا إلى الحقبة العثمانية المتأخرة (القرنين 17–19م)، ثم مرحلة الاستعمار الأوروبي للعالم العربي (من أوائل القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين)، بدأت تتشكل تدريجيًا فجوة معرفية بين العالم العربي ومراكز إنتاج المعرفة الحديثة في أوروبا
اي أصبح الإنتاج العلمي في معظمه مرتبطًا بالمراكز الغربية، بينما انحصر دور العديد من المجتمعات العربية في تلقي المعرفة واستيرادها، سواء عبر المناهج التعليمية أو المؤسسات الأكاديمية.
أسباب تراجع المعرفة في العالم العربي
قبل عرض الأسباب، اريد الإشارة إلى أن الحديث عن تراجع المعرفة في العالم العربي لا يقوم على تفسير أحادي أو تبسيطي، بل يرتبط بمجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة، ويمكن قراءة هذه الأسباب من منظور علمي تحليلي يربط بين البنية التعليمية والاجتماعية والثقافية، دون إغفال أن السبب الأكثر تأثيرًا يتمثل في طبيعة المنظومة التعليمية ذاتها، وما تفرزه من أنماط في إنتاج وتلقي المعرفة.
ومن هذه الاسباب :
1) النظام التعليمي (السبب البنيوي الأساسي)
يعاني العديد من الأنظمة التعليمية من الاعتماد على الحفظ والتلقين بدلًا من تنمية التفكير النقدي والبحث العلمي، ما يضعف القدرة على الابتكار والإنتاج المعرفي.
ونُلاحظ أن المنظومة التعليمية في كثير من السياقات العربية تعتمد على استيراد المعرفة أكثر من إنتاجها محليًا، سواء في المدارس أو الجامعات أو المراكز التدريبية، حيث يغلب أسلوب التلقين على أساليب التعلم القائمة على الفهم والتجربة.
كما أن الجانب العملي ،وإن وُجد، غالبًا لا يُفعّل بطريقة تسمح للطالب بالاستكشاف أو التجربة الحرة، بل يُقدَّم ضمن إطار محدود لا يتيح الإبداع أو الخطأ كجزء من عملية التعلم.
وهذا يضعف مهارات التفكير النقدي، ويجعل الطالب متلقيًا أكثر منه منتجًا للمعرفة.
2) البيئة الاجتماعية واكتشاف المواهب
تلعب الأسرة والمجتمع دورًا في توجيه الأفراد نحو تخصصات تقليدية “آمنة”، على حساب التخصصات البحثية والإبداعية.
كما أن هناك تحديًا مرتبطًا بضعف آليات اكتشاف المواهب ورعايتها داخل المؤسسات التعليمية والمجتمعية، رغم وجود نسبة كبيرة من الطلبة القادرين على الإبداع والابتكار.
ويمكن القول، كقراءة تحليلية، إن هناك طاقات فكرية غير مستثمرة بالشكل الكافي، نتيجة غياب الدعم والتوجيه العلمي المنهجي، واطلق عليه بمصطلح “الإغفال “.
3) الإعلام والثقافة العامة (الاستلاب الثقافي)
وعندما نأتي للإعلام، نجد أنفسنا أمام ‘فخ’ حقيقي.
نحن لا نستهلك التكنولوجيا فقط، بل نستهلك معها قيماً غريبة عنا، وأرى كيف تنجرف الشاشة نحو تقليد ‘الترند’ الغربي الأعمى.
بمعنى هذا التوجه ساهم في نوع من الاستلاب الثقافي والمعرفي، حيث تراجع الإحساس بالهوية المعرفية او غياب الانتماء، مقابل الانبهار بالنماذج الغربية بوصفها النموذج الوحيد للنجاح والتقدم، ما أثر على توجهات التفكير والإبداع لدى بعض فئات الشباب.
لماذا نكتفي بدور ‘المُشاهد’ الذي يصفق للآخرين، بينما ينام إرثنا المعرفي في رفوف!؟
4) ضعف الاستثمار في البحث العلمي
لا تزال نسبة الإنفاق على البحث العلمي في العديد من الدول العربية منخفضة مقارنة بالمعدلات العالمية، ما يحد من فرص الإنتاج المعرفي المستقل، ويقلل من قدرة المؤسسات الأكاديمية على تطوير مشاريع بحثية طويلة المدى
5) العادات والتقاليد وإشكالية الرفض الثقافي للتطور
في بعض السياقات الاجتماعية، يُلاحظ وجود نوع من الرفض للتغيير أو التطوير عند طرح أفكار جديدة تتعلق بالعلم أو أساليب الحياة الحديثة، حيث يُربط هذا الرفض أحيانًا بالحفاظ على العادات والتقاليد.
غير أن الإشكال لا يكمن في التمسك بالهوية الثقافية بحد ذاتها، بل في الخلط بين الحفاظ على الهوية وبين رفض التطور المعرفي أو التقني.
ومن المهم التمييز هنا بين مفهومين غالبًا ما يتم الخلط بينهما:
* التطور: وهو عملية تراكمية تعني تنمية القدرات والمعرفة والمهارات ضمن إطار ما يملكه الفرد أو المجتمع، أي الارتقاء بالعلم والفكر والأدوات دون بالضرورة التخلي عن الهوية.
* التحضر: وهو القدرة على التكيف مع المستجدات والتعامل معها “بوعي”ومرونة، بما يسمح بتحديث أنماط التفكير والسلوك دون القطيعة مع الجذور الثقافية.
أي لا يُفترض أن يكون التمسك بالعادات والتقاليد عائقًا أمام التطور، بل يمكن أن يكون جزءًا من هوية ثقافية مرنة قادرة على التفاعل مع العصرالحالي.
غير أن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا التمسك إلى رفض مطلق لأي تغيير أو تجديد، حتى لو كان مرتبطًا بالتقدم العلمي أو التطور المعرفي.
خامسًا: بين التطور التكنولوجي والفجوة المعرفية
في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة رقمية هائلة، تشمل الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل البيانات، يبرز سؤال مهم: هل أدى هذا التطور إلى زيادة في إنتاج المعرفة أم إلى تضخم في استهلاكها فقط؟
إن امتلاك الأدوات التقنية لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة، بل إن الفجوة تكمن في القدرة على تحويل هذه الأدوات إلى إنتاج فكري وعلمي مستقل.
وفي هذا السياق، تطرح بعض القراءات النقدية إشكالية عدم توازن توزيع المعرفة عالميًا، وهيمنة مراكز إنتاجها في سياقات جغرافية محددة.
رؤية فكرية – الدكتور مصطفى محمود
يمكن الاستئناس هنا بأفكار الدكتور مصطفى محمود، الذي قدّم في كتاباته وضمن برنامجه الشهير “العلم والإيمان” رؤية نقدية للعلاقة بين التقدم العلمي والوعي الإنساني، محذرًا من اختزال المعرفة في بعدها المادي الصرف.
ففي كتابه لغز الحياة يؤكد أن “بالفكر وبالدين وبالعلم معًا يصنع الإنسان نفسه، أما بالعلم المادي وحده وبدون إيمان وبدون خلق فلن يصنع من نفسه إلا جبارًا ومسخًا عملاقًا مشوهًا”، في إشارة إلى خطورة انفصال المعرفة عن القيم.
كما تناول في أعماله نقدًا لما أسماه هيمنة “العقل المادي” والانبهار بالتقنية الحديثة دون وعي نقدي، معتبرًا أن هذا الانبهار قد يحول الإنسان إلى كائن مستلب أمام أدواته العلمية، وهو ما يتقاطع مع رؤيته في عصر القرود حين ينتقد التقدم التقني الذي لا يرافقه ارتقاء إنساني وأخلاقي.
ومن خلال هذا الطرح، يمكن فهم فكر مصطفى محمود بوصفه محاولة لردّ الاعتبار للوعي الإنساني داخل منظومة المعرفة، حيث لا يُنظر إلى العلم كغاية مستقلة، بل كوسيلة لفهم أعمق للوجود، وهو ما ينسجم مع فكرة أن المعرفة قد تتحول إلى شكل من أشكال الاستهلاك إذا فقدت بعدها القيمي والإنساني، وهو ما يقترب من مفهوم الاستلاب المعرفي في الفكر الحديث والذي أشرت اليه سابقا.
نحو استعادة الفعل المعرفي العربي (الحلول)
“ملاحظة “بصفتي طالبة في مجال الصحافة والإعلام، تجدر الإشارة إلى أن النقاط التالية لا تُقدَّم كاجتهادات شخصية، وإنما هي حلول ومقاربات متداولة في الأدبيات التربوية والإعلامية والعلمية المتعلقة بموضوع تراجع المعرفة وبناء الوعي.
1) إصلاح النظام التعليمي وبناء التفكير النقدي
إعادة هيكلة التعليم ليعتمد على التفكير النقدي بدل الحفظ والتلقين، بما يعزز قدرة الطالب على التحليل والإنتاج المعرفي.
2) دعم البحث العلمي وتمويله بشكل فعّال
رفع مستوى الاستثمار في البحث العلمي باعتباره أساسًا لإنتاج معرفة مستقلة وقادرة على التطور.
3) الانتقال من التعريب إلى الإنتاج العلمي
تحويل المعرفة من مجرد نقل أو ترجمة إلى إنتاج علمي عربي أصيل يساهم في المعرفة العالمية.
4) ترسيخ ثقافة القراءة والبحث
بناء عادة معرفية لدى الأجيال تقوم على القراءة المستمرة، والتساؤل، والبحث كجزء من الحياة اليومية.
5) توظيف التكنولوجيا في إنتاج المعرفة
الانتقال من الاستخدام الاستهلاكي للتكنولوجيا إلى استخدامها كأداة إنتاج وتحليل وتطوير للمعرفة.
ومن وجهة نظري كطالبة في مجال الصحافة والإعلام، فإن التعامل مع هذه الحلول لا ينبغي أن يقتصر على طرحها كنصوص أو توصيات تُقرأ بشكل مباشر ثم تُنسى، بل الأهم هو آلية ترسيخها داخل الوعي الجمعي بطريقة اتصالية فعّالة.
فالممارسات الاتصالية في تشكيل السلوك لا تعتمد فقط على الرسائل المباشرة، بل تقوم أيضًا على التأثير غير المباشر والتراكمي، حيث يتم تكرار المفاهيم والقيم وتقديمها عبر سياقات متعددة بشكل تدريجي، إلى أن تتحول من مجرد فكرة إلى سلوك مكتسب وعادة فكرية لدى المتلقي.
لذلك، فإنني أرى أن تطبيق هذه الحلول يجب أن يتم عبر دمجها في الخطاب التعليمي والإعلامي والثقافي بشكل متدرج ومنظم، بحيث لا تُقدَّم كمعرفة نظرية فقط، بل كقناعات تُبنى عبر التكرار، والتعزيز، وإعادة الصياغة في أكثر من سياق، بما يضمن تحولها إلى ممارسة ذهنية وسلوكية غير واعية لكنها راسخة.
ورغم أن هذا الأسلوب غير المباشر قد يحتاج إلى وقت أطول مقارنة بالطرح المباشر، إلا أنه أكثر فاعلية على المدى البعيد، لأنه لا يكتفي بإقناع العقل، بل يعمل على إعادة تشكيل العادة الفكرية نفسها، وهو ما أراه مسارًا أكثر استدامة في بناء الوعي المعرفي.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل المشكلة في غياب المعرفة، أم في طريقة إنتاجها وتداولها وإعادة تشكيلها داخل المجتمعات المعاصرة؟
5) العادات والتقاليد وإشكالية الرفض الثقافي للتطور
في بعض السياقات الاجتماعية، يُلاحظ وجود نوع من الرفض للتغيير أو التطوير عند طرح أفكار جديدة تتعلق بالعلم أو أساليب الحياة الحديثة، حيث يُربط هذا الرفض أحيانًا بالحفاظ على العادات والتقاليد.
غير أن الإشكال لا يكمن في التمسك بالهوية الثقافية بحد ذاتها، بل في الخلط بين الحفاظ على الهوية وبين رفض التطور المعرفي أو التقني.
ومن المهم التمييز هنا بين مفهومين غالبًا ما يتم الخلط بينهما:
* التطور: وهو عملية تراكمية تعني تنمية القدرات والمعرفة والمهارات ضمن إطار ما يملكه الفرد أو المجتمع، أي الارتقاء بالعلم والفكر والأدوات دون بالضرورة التخلي عن الهوية.
* التحضر: وهو القدرة على التكيف مع المستجدات والتعامل معها “بوعي”ومرونة، بما يسمح بتحديث أنماط التفكير والسلوك دون القطيعة مع الجذور الثقافية.
أي لا يُفترض أن يكون التمسك بالعادات والتقاليد عائقًا أمام التطور، بل يمكن أن يكون جزءًا من هوية ثقافية مرنة قادرة على التفاعل مع العصرالحالي.
غير أن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا التمسك إلى رفض مطلق لأي تغيير أو تجديد، حتى لو كان مرتبطًا بالتقدم العلمي أو التطور المعرفي.
خامسًا: بين التطور التكنولوجي والفجوة المعرفية
في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة رقمية هائلة، تشمل الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل البيانات، يبرز سؤال مهم: هل أدى هذا التطور إلى زيادة في إنتاج المعرفة أم إلى تضخم في استهلاكها فقط؟
إن امتلاك الأدوات التقنية لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة، بل إن الفجوة تكمن في القدرة على تحويل هذه الأدوات إلى إنتاج فكري وعلمي مستقل.
وفي هذا السياق، تطرح بعض القراءات النقدية إشكالية عدم توازن توزيع المعرفة عالميًا، وهيمنة مراكز إنتاجها في سياقات جغرافية محددة.
رؤية فكرية – الدكتور مصطفى محمود
يمكن الاستئناس هنا بأفكار الدكتور مصطفى محمود، الذي قدّم في كتاباته وضمن برنامجه الشهير “العلم والإيمان” رؤية نقدية للعلاقة بين التقدم العلمي والوعي الإنساني، محذرًا من اختزال المعرفة في بعدها المادي الصرف.
ففي كتابه لغز الحياة يؤكد أن “بالفكر وبالدين وبالعلم معًا يصنع الإنسان نفسه، أما بالعلم المادي وحده وبدون إيمان وبدون خلق فلن يصنع من نفسه إلا جبارًا ومسخًا عملاقًا مشوهًا”، في إشارة إلى خطورة انفصال المعرفة عن القيم.
كما تناول في أعماله نقدًا لما أسماه هيمنة “العقل المادي” والانبهار بالتقنية الحديثة دون وعي نقدي، معتبرًا أن هذا الانبهار قد يحول الإنسان إلى كائن مستلب أمام أدواته العلمية، وهو ما يتقاطع مع رؤيته في عصر القرود حين ينتقد التقدم التقني الذي لا يرافقه ارتقاء إنساني وأخلاقي.
ومن خلال هذا الطرح، يمكن فهم فكر مصطفى محمود بوصفه محاولة لردّ الاعتبار للوعي الإنساني داخل منظومة المعرفة، حيث لا يُنظر إلى العلم كغاية مستقلة، بل كوسيلة لفهم أعمق للوجود، وهو ما ينسجم مع فكرة أن المعرفة قد تتحول إلى شكل من أشكال الاستهلاك إذا فقدت بعدها القيمي والإنساني، وهو ما يقترب من مفهوم الاستلاب المعرفي في الفكر الحديث والذي أشرت اليه سابقا.
نحو استعادة الفعل المعرفي العربي (الحلول)
“ملاحظة “بصفتي طالبة في مجال الصحافة والإعلام، تجدر الإشارة إلى أن النقاط التالية لا تُقدَّم كاجتهادات شخصية، وإنما هي حلول ومقاربات متداولة في الأدبيات التربوية والإعلامية والعلمية المتعلقة بموضوع تراجع المعرفة وبناء الوعي.
1) إصلاح النظام التعليمي وبناء التفكير النقدي
إعادة هيكلة التعليم ليعتمد على التفكير النقدي بدل الحفظ والتلقين، بما يعزز قدرة الطالب على التحليل والإنتاج المعرفي.
2) دعم البحث العلمي وتمويله بشكل فعّال
رفع مستوى الاستثمار في البحث العلمي باعتباره أساسًا لإنتاج معرفة مستقلة وقادرة على التطور.
3) الانتقال من التعريب إلى الإنتاج العلمي
تحويل المعرفة من مجرد نقل أو ترجمة إلى إنتاج علمي عربي أصيل يساهم في المعرفة العالمية.
4) ترسيخ ثقافة القراءة والبحث
بناء عادة معرفية لدى الأجيال تقوم على القراءة المستمرة، والتساؤل، والبحث كجزء من الحياة اليومية.
5) توظيف التكنولوجيا في إنتاج المعرفة
الانتقال من الاستخدام الاستهلاكي للتكنولوجيا إلى استخدامها كأداة إنتاج وتحليل وتطوير للمعرفة.
ومن وجهة نظري كطالبة في مجال الصحافة والإعلام، فإن التعامل مع هذه الحلول لا ينبغي أن يقتصر على طرحها كنصوص أو توصيات تُقرأ بشكل مباشر ثم تُنسى، بل الأهم هو آلية ترسيخها داخل الوعي الجمعي بطريقة اتصالية فعّالة.
فالممارسات الاتصالية في تشكيل السلوك لا تعتمد فقط على الرسائل المباشرة، بل تقوم أيضًا على التأثير غير المباشر والتراكمي، حيث يتم تكرار المفاهيم والقيم وتقديمها عبر سياقات متعددة بشكل تدريجي، إلى أن تتحول من مجرد فكرة إلى سلوك مكتسب وعادة فكرية لدى المتلقي.
لذلك، فإنني أرى أن تطبيق هذه الحلول يجب أن يتم عبر دمجها في الخطاب التعليمي والإعلامي والثقافي بشكل متدرج ومنظم، بحيث لا تُقدَّم كمعرفة نظرية فقط، بل كقناعات تُبنى عبر التكرار، والتعزيز، وإعادة الصياغة في أكثر من سياق، بما يضمن تحولها إلى ممارسة ذهنية وسلوكية غير واعية لكنها راسخة.
ورغم أن هذا الأسلوب غير المباشر قد يحتاج إلى وقت أطول مقارنة بالطرح المباشر، إلا أنه أكثر فاعلية على المدى البعيد، لأنه لا يكتفي بإقناع العقل، بل يعمل على إعادة تشكيل العادة الفكرية نفسها، وهو ما أراه مسارًا أكثر استدامة في بناء الوعي المعرفي.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل المشكلة في غياب المعرفة، أم في طريقة إنتاجها وتداولها وإعادة تشكيلها داخل المجتمعات المعاصرة؟