القضاة تكتب عن “الإستقلال”: ليست مٌنتجات.. بل حكايات مٌجسّدة
خاص لديرتنا – عّمّان – كتبت رحلب للقضاة:
حين يقترب عيد الاستقلال، لا يصبح السؤال: ماذا نُهدي؟ بل: أيُّ معنى نُهدي؟
فالهدايا في مثل هذه المناسبات ليست أشياء تُتداول… بل رسائل تُختار بعناية لتبقى شاهدةً على لحظةٍ وطنيةٍ لا تتكرّر.
كنتُ أبحث ـ كما يفعل كثيرون ـ عن هديةٍ تليق بالمقام هديةٍ لا تذبل بانتهاء المناسبة ولا تفقد بريقها مع مرور الوقت.
حتى قادني فضول عابر إلى صفحة على Instagram تُروّج لمنتجات نزلاء مديرية الأمن العام.
وهنا… لم أعثر على “منتجات” بل على حكاياتٍ مُجسَّدة.
ليست قطعًا تُعرض على رفوف ،بل محاولات نجاةٍ صامتة تُصاغ بخيوط الصبر وتُشكَّل بيدٍ تعلّمت—في أقسى الظروف—كيف تُعيد تعريف ذاتها.
قطعةُ الخشب هناك ليست أثاثًا… بل يدٌ قرّرت أن تبني بعد أن عرفت معنى الهدم.
واللوحة ليست ألوانًا… بل قلبٌ وجد طريقه إلى الضوء بعد عتمةٍ طويلة.
أما التطريز فليس زينةً… بل زمنٌ يُخاط من جديد غرزةً إثر غرزة كأن الحياة تُمنَح فرصةً ثانية.
في هذا المشهد لا يمكن إلا أن ينحني الكلام احترامًا لدولةٍ أدركت أن العدالة لا تكتمل بالعقاب بل تُتوَّج بالإصلاح.
حديثنا هنا عن الأردن الذي لم يُقصِ أبناءه حين تعثّروا بل أعاد إدماجهم في معادلة الإنتاج مانحًا إيّاهم فرصةً ليكونوا جزءًا من النسيج لا عبئًا عليه.
هذا ليس خطابًا إنشائيًا بل نموذجٌ عمليّ يُعيد تعريف مفهوم المؤسسات.
دولةٌ لا تكتفي بإدارة الأزمات بل تُحوّلها إلى منصّاتٍ لإعادة البناء.
دولةٌ تقول—بفعلها لا بشعارها:
“من أخطأ لا يُمحى… بل يُمنح فرصةً ليُصحّح مساره ويُعيد كتابة قصته.”
وفي مفارقةٍ لافتة:
هناك من يعيش خارج الأسوار لكنه أسيرُ فراغه…
وهناك من عاش داخلها فخرج منها صانعًا للمعنى مُتقنًا لحرفة مُمسكًا بخيطٍ جديدٍ للحياة.
إن شراء هذه المنتجات ليس مجاملةً عابرة، بل موقفٌ أخلاقيّ واستثمارٌ في إنسان.
هو دعمٌ لفكرة أن الإصلاح ممكن وأن الفرص—حين تُمنح بصدق—تُغيّر المصائر.
في عيد الاستقلال .. لنُعيد تعريف الهدية.
لا تُقدّموا أشياء بلا روح ..بل قدّموا قصصًا تُروى وكرامةً تُصان وفرصةً تُولد من جديد.
اختاروا هديةً تقول:
إن الاستقلال ليس حدثًا يُحتفى به في يوم
بل قيمةٌ تُمارَس… حين نمنح الإنسان حقَّه في أن يبدأ من جديد.
ختامًا…
كل الشكر لوطنٍ فهم أن أعظم استثمار ليس في الحجر بل في البشر.
وكل التقدير لتلك الأيادي التي صنعت الجمال من رحم القسوة
وأثبتت أن الإنسان—مهما تعثّر—قادرٌ على النهوض… إذا وجد من يؤمن به
* مساعد مدير التحرير
يمكن النقل أو الإقتباس شريطة الإشارة لإسم الموقع ديرتنا وإسم الكاتبة