مقالات

القضاة تكتب حول قرار حجب المواقع الإباحية: “إستثمار وقائي أخلاقي طويل الأمد”

خاص لـ ديرتنا الإخبارية – عمّان – كتبت رحاب القضاة :

في مدينةٍ تُشبه الدعاء حين يعلو من المآذن… وتُشبه الأم حين تُخفي قلقها خلف ابتسامةٍ دافئة تأتي هذه الخطوة وكأنها ليست قرارًا تقنيًا بحتًا
بل موقفٌ أخلاقيٌ يختار أن يقول: “هنا… نحمي ما تبقّى من نقاء”.

قرار هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بحجب المواقع الإباحية ليس مجرد تحديثٍ في أنظمة الشبكات ولا تفعيلًا باردًا لخوارزميات الفلترة، بل هو إعادة تعريفٍ صريحة لحدود الفضاء الرقمي في مجتمعٍ يعرف تمامًا أن الانفلات لا يُسمّى حرية وأن كل ما يُترك بلا ضوابط يلتهم نفسه أولًا.

لطالما تحدّثنا — وربما صرخنا بصمت — عن كلفة هذا الإهمال. عن جيلٍ يتربّى على صورٍ مشوّهة للعلاقة الإنسانية عن مشاعر تُختزل في لحظة عابرة وعن مفاهيم تُسرق من معناها الحقيقي لتُستبدل بنسخٍ سطحية باردة ومؤذية.
لم تكن المشكلة يومًا في “المحتوى” فقط… بل في الأثر المتراكم ذلك الذي لا يُرى فورًا لكنه ينحت في الوعي كما ينحت الماء في الصخر.

نعم
هناك من سيقف ليقول: “هذه حرية شخصية”.
لكن لنكن صريحين — بلا تجميل بلا دبلوماسية زائفة — الحرية التي تدمّر الإدراك وتُعيد تشكيل الوعي بشكلٍ مريض ليست حرية بل فوضى مُغلّفة بشعار جذاب.

هذا القرار يشبه الأب الذي يغلق الباب قبل أن تشتدّ العاصفة لا لأنه يُحب السيطرة بل لأنه يعرف شكل الخسارة حين تأتي متأخرة.

تقنيًا الحديث عن حجب “IP” و”Domains” وتحديثٍ مستمر لقوائم المواقع قد يبدو تفصيلًا باردًا لكنه في الحقيقة يعكس فهمًا عميقًا: أن المعركة اليوم ليست على الأرض فقط بل في الشاشات في العقول في تلك اللحظات التي يكون فيها الإنسان وحيدًا مع ما يُعرض عليه دون رقيب دون وعي ودون حماية.

وهنا بيت القصيد:
الحجب ليس نهاية الطريق… بل بدايته.

لأن أي إجراء تقني مهما كان متطورًا سيبقى ناقصًا إن لم يُرافقه وعيٌ حقيقي.
إن لم نُعلّم أبناءنا — بصدق لا بخوف — الفرق بين القرب الحقيقي والزيف الرقمي بين العلاقة الإنسانية والنسخة المشوّهة منها.

المعادلة ببساطة — بلغة الأعمال إن أردنا الدقة:
هذه الخطوة هي “استثمار وقائي طويل الأمد” في رأس المال الأخلاقي للمجتمع.
تقليل المخاطر
(Risk Mitigation) بدلًا من معالجة الانهيارات بعد وقوعها.
بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا بدل ترك السوق مفتوحًا للفوضى.

عمّان اليوم لا تُغلق بابًا…هي تعيد رسم حدوده.
ولا تُصادر خيارًا…بل تُنقذ قدرة الإنسان على الاختيار السليم.
وفي زمنٍ أصبح فيه كل شيء متاحًا بضغطة زر…يصبح الامتناع موقفًا ويصبح التنظيم شجاعة
ويصبح الحجب — نعم — شكلًا من أشكال الحماية لا القمع.
باختصار شديد وبلا لفٍّ ودوران:
هذه ليست حربًا على الإنترنت
هذه محاولة لإنقاذ الإنسان من نسخةٍ رديئة من نفسه.

* مساعد مدير التحرير

زر الذهاب إلى الأعلى