الرئيسيمقالات

القضاة تكتب عن الملازم 1 الكريم الخريج أحمد أبو صنوبر العبادي – فيديو

خاص لـ ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة :

في هذا الوطن…
لا تُقاس الرجولة بعدد السنوات
ولا تُصنع الهيبة بالرتب وحدها
بل بتلك الندوب التي يتركها الألم في الروح… ثم يعجز عن إسقاط أصحابها.

أحمد أبو صنوبر العبادي لم يكن مجرد شابٍ يرتدي بذلة عسكرية
كان قلبًا أردنيًا كاملًا يمشي على الأرض.
وفي لحظةٍ واحدة خلال تدريبٍ عسكري خطف القدر منه عينًا…
عينًا كانت ترى أحلامه الصغيرة
وترى أمّه تبتسم له وترى والده يفخر به بصمت الرجال
وترى الطريق الطويل الذي كان ينتظره.

لكنّ الوجع حين يختار الرجال الحقيقيين لا يأتي خفيفًا أبدًا.

كم يبدو قاسيًا أن يعود شابٌ إلى بيته فقد شيىء
كم مرّةً وقف أمام المرآة يحدّق في الغياب بصمت؟
كم ليلةً أخفى دموعه كي لا تنكسر أمّه؟
وكم مرّةً ابتسم فقط… لأنه لا يريد لأحد أن يرى الحرب المشتعلة داخله؟

ومع ذلك… وقف.
وقف بطريقةٍ تُربك الألم نفسه.
كأنّه يقول للحياة:
“خذي ما شئتِ… لكنك لن تأخذي كبريائي.”

وسلامٌ على والده…
ذلك الرجل الذي حمل وجع ابنه في قلبه ومشى به كأنّه جبل.
الأب الذي كان يتألّم بصمتٍ أشدّ من الإصابة نفسها
لكنه أخفى دموعه لأن آباء الرجال لا يسمحون للحزن أن يهزم أبناءهم.
كان ينظر إليه بقلبٍ يرتجف
وبصدرٍ مليء بالدعاء
وكأنّه يناجي الله كل ليلة:
“يارب… خفف عنه ما لا أستطيع حمله عنه.”

سلامٌ على قلب أمّه حين رأته بعد الإصابة
سلامٌ على دمعتها التي خبّأتها كي لا تضعفه
سلامٌ على ذلك الصمت الثقيل الذي دخل البيت يومها
وسلامٌ على الرجال الذين يتألمون بصمت لأنهم خُلقوا ليكونوا سندًا لا عبئًا
وسلامٌ على إخوته…
على أولئك الذين لم يتركوه يسقط وحده.
كانوا له يدًا حين أثقله التعب
وصوتًا حين أرهقه الصمت
وقلبًا إضافيًا حين ضاق قلبه بالألم.

﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾
وكأن الآية خُلقت لهم…
فبعض الإخوة لا تجمعهم الدماء فقط
بل تجمعهم القدرة العظيمة على إنقاذ بعضهم من الانكسار.

هم لم يداووا عينه لكنهم داووا روحه ولم يغيّروا القدر لكنهم جعلوه أقلّ قسوة.

وفي صورته شيء يشبه أوطانًا كاملة تختبئ داخل ملامح رجل.
ترى فيها وجع الجندي،
ودعاء الأم وصبر الأب وسند الإخوة
وترى الأردن كلّه واقفًا داخل عينٍ واحدة… بكل الكبرياء.

أما الرجال العظماء مثله
يعرفون جيدًا
أن الأوطان لا يحميها الذين لم يتألموا
بل أولئك الذين نزفوا بصمت…
ثم وقفوا شامخين كأن شيئًا لم يحدث.

* مساعد مدير التحرير

زر الذهاب إلى الأعلى