القضاة تكتب: حين يرحل الحج… ويُترك القلب في منتصف الدعاء
خاص لـ ديرتنا الإخبارية – كتبت رحاب القضاة :
ها قد انطفأت خطى الحجيج وانسدلت على عرفات لحظةٌ تشبه اكتمال الحلم ثم انكساره في آنٍ واحد…
كأن السماء حفظت الدعاء بعد أن امتلأ بالرجاء وتركت في الأرواح أثر الحبر لا يمحوه النسيان.
والان وغربت شمس أول أيام العيد…
لم تكن غروبًا عاديًا بل كانت تشبه يدًا تُسدل ستارًا على مسرح كبير بينما بعض القلوب ما زالت واقفة على الخشبة لا تدري أين تذهب بعد أن انتهى الدور وبقي الألم بلا نصّ.
في العيد… لا يتساوى الناس.
هناك من يوزّع الضحك كأنه يملك العالم وهناك من يعدّ الأنفاس ليُخفي انكسارًا لا يليق به أن يُرى.
وهناك من يلبس ثوب الفرح… لكنه من الداخل عارٍ تمامًا إلا من الفقد.
كم هو غريب هذا اليوم حين لا يكتمل أحد.
الطاولات ممتلئة لكن غياب واحد كفيل أن يترك الجوع في الروح.
الضحكات تعلو لكن هناك صدى داخلي يقول: “كان يجب أن يكون هنا.”
الفقد في العيد ليس ذكرى…
هو طريقة جديدة لرؤية كل شيء بشكل ناقص.
الأنوار لا تنطفئ لكنها لا تضيء كما كانت.
الأطباق تُملأ لكن شهية القلب غائبة على الطاولة.
والصور تُلتقط لكن شخصًا واحدًا دائمًا خارج الإطار رغم أنه داخل كل شيء.
في البيوت…
هناك كراسي تعرف أصحابها جيدًا وتعرف أنهم لن يعودوا كما كانوا.
هناك أمهات يضحكن بصوت منخفض كأنهن يخشين أن يسمع الحزن نفسه.
هناك آباء يخفون ارتجافهم خلف “الحمد لله” وكأنها درعٌ لا يسمح للانهيار أن يظهر.
وهناك أطفال…
يسألون العيد ببراءة قاتلة:
لماذا العيد جميل عند الجميع إلا عندنا؟
ولماذا كل الناس عندهم شخصٌ كامل ونحن عندنا غيابٌ كبير لا يُشرح؟
الحقيقة القاسية…
أن العيد لا يأخذ فرحته من الزينة بل من الأرواح التي فيه.
وإذا غاب أحدهم لا يعود العيد ناقصًا فقط…
بل يصبح نسخة خافتة من نفسه.
ومع ذلك…
يمضي العيد.
ليس لأن الألم انتهى بل لأن الحياة لا تنتظر أحدًا ليكتمل.
ومع كل انكسار هناك رحمة خفية تقول: “ما زال في القلب متسعٌ ليومٍ آخر.”
ها هو اول ايام العيد يرحل…
لكن في كل بيت دعاء لم يُغلق وفي كل عين دمعة لم تُعلن
وفي كل صدر شيء يشبه الغصة التي لا تريد أن تصبح ذكرى.
وكل عام…
والذين رحلوا لا يرحلون من داخلنا
والذين بقوا يتعلمون كيف يبتسمون رغم أن شيئًا فيهم لم يعد كاملًا.
كل عام وأنتم بخير…
بخيرٍ يشبه الصبر حين يصبح حياة وبخيرٍ يشبه القلب حين يتعلّم أن يعيش…
وهو يحمل كل هذا الغياب.
مساعد مدير التحرير