القضاة تكتب: حين تسقط وجوه المنافقين وماقاله الجواهري عن العفاف..
خاص لـ ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة :
قرأتُ مقالًا بعنوان: “أين هي مشاهد الخلاعة التي يتحدثون عنها في حفل البتراء؟”
ثم أدركتُ أن بعض الناس لا يريدون أن يناقشوا الفكرة بل يريدون فقط أن يُطفئوا الحسّ العام باسم النسبية وأن يُحوّلوا كل اعتراضٍ إلى تهمة
وكل غيرةٍ إلى تخلف وكل تحفظٍ إلى ضيق أفق.
لكنّ الحقيقة أوسع من هذا التبسيط المتعجل.
نعم
الأخلاق لا تُختزل في الثوب ولا يُحاكم الإنسان بطول قميصه أو قصره ولا تُوزن النوايا بمسطرة الأكمام. كما قال الشاعر محمد الجواهري أترى العفاف مقاس أقمشة ؟
ظلمت اذن عفافا
هو في الضمائر لا تخاط ولا تقص ولا تكافى
من لم يخف عقبى الضمير فمن سواه لن يخافا
هذه بديهية لا يختلف عليها عاقل. غير أن القفز من هذه البديهية إلى نفي أي أثرٍ للمشهد العام وللغة الجسد ولرمزية المكان ولرسالة الفعالية هو قفزٌ على المعنى نفسه وكأننا نقول: لا دلالة للصورة لا أثر للمشهد لا وزن للهيئة وكل شيء يُفهم بمعزل عن السياق.
وهذا ليس تحريرًا للفكر بل تبسيطٌ مُخلّ يصل حدّ التلاعب.
العفاف ليس مقاس أقمشة نعم.
لكن هل يعني ذلك أن نُسقط السؤال عن الوقار حين يصبح المشهد صادمًا لبيئةٍ لها مرجعيتها وذائقتها؟
وهل يعني ذلك أن نُلزم المجتمع بالصمت كلما قيل له: لا ترَ ما ترى ولا تفهم ما تفهم، ولا تحتجّ لأنك إن احتججت فأنت متشدد؟
العفاف في الضمير، هذا صحيح.
لكنه في الضمير حين يترجم نفسه إلى سلوك، إلى هيئة، إلى احترام للمقام، إلى تقدير للمكان، إلى مراعاةٍ لما يستفز وجدان الناس وما يستفز ذاكرتهم الجمعية. فالضمير لا يعيش في الهواء، بل يتحرك في العالم، والعالم يرى ويقيس ويستقبل الرسائل.
أتظنّ أن العفاف مقاس أقمشة؟ ظلمتَ إذن عفافا.
هو في الضمائر لا تُخاطُ ولا تُقصُّ ولا تُكافأ.
من لم يخفْ عقبى الضمير فمن سواه لن يخافا.
غير أن هذه الأبيات نفسها تقول ما يغفل عنه أصحاب الخطاب المتفلت: إن العفة ليست شعارًا يُرفع بل خوفٌ من الله وحياءٌ من الناس ورقابةٌ داخلية تمنع المرء من تحويل الفضاء العام إلى منصة اختبارٍ للذوق العام أو استفزازٍ له. فالذي يستهين بردة الفعل المجتمعية ثم يتذرع بالتنوع يطلب من المجتمع أن يصفّق لا أن يفهم وأن يبتلع لا أن يناقش.
ثم إن السؤال ليس: هل هناك من يلبس محتشمًا وهو فاسد؟
نعم هذا موجود ولا ينكره أحد.
لكن السؤال الأعمق: هل نُسقط وجود المنافقين كي نُسوّغ كل ما يعكر صفو الحياء العام؟
هذا منطقٌ مقلوب.
وجود خطأٍ في الضفة الأخرى لا يجعل الضفة المقابلة صوابًا مطلقًا.
المجتمعات لا تنهض حين تُسلَب حقها في تسمية الأشياء بأسمائها.
ولا تُبنى حين يُطلب منها أن تُصفّق لكل ما يُقدَّم لها على أنه فن أو سياحة أو انفتاح.
فليس كل ما يمر تحت عنوان الثقافة ثقافة وليس كل ما يجيء تحت لافتة السياحة بريئًا من الرسائل وليس كل ما يُقال عنه “مجرد حرية” ينفصل فعلًا عن أثره الاجتماعي.
البتراء ليست خلفية محايدة لعرضٍ عابر.
هي رمز.
والرمز لا يُعامل كالجدار ولا يُعامل كالأرض الفارغة لأن الرمز حين يُستدعى في الوعي الجمعي لا يعود ملكًا للتسويق وحده بل يدخل في ملكية الذاكرة والوجدان والهوية.
ومن حق الناس أن يقولوا: هذا المكان أكبر من هذا المشهد وأرفع من هذه القراءة الضيقة له.
ولأن الحياء ليس شكلاً خارجيًا فحسب فالمجتمع أيضًا ليس قطيعًا يُقاد بالشعار.
الناس يفهمون الفروق.
يفرقون بين الفن الرصين والاستعراض المستفز بين الانفتاح الواعي والانفلات المراوغ بين الاحتفاء بالجمال وبين العبث بحدود الذائقة العامة
وما قيمةُ الأوطان إن ضاعتْ ملامحُها
وصار الذوقُ فيها تابعَ العبثِ العابرِ؟
المسألة إذن ليست محاكمة لباس بل محاكمة خطابٍ يريد أن يختزل اعتراض الناس في جملة واحدة: أنتم لا تفهمون.
بل نحن نفهم.
نفهم أن المجتمعات لها حدود وأن للرموز حرمتها وأن للذوق العام وزنًا وأن التبرير المستمر لكل استفزاز باسم التعددية لا يصنع حرية بل يصنع ضجيجًا بلا معنى.
فالحياء الحقيقي لا يُقاس فقط بما نرتديه بل بما نسمح به في المجال العام.
والعفاف لا يُقاس فقط بما نخفيه. بل بما نعلن احترامه حين نكون أمام الناس.
وأما القول إن عادات الأردنيين أعمق من أن تغيّرها فعالية فهذا صحيح.
لكن عمق العادات لا يعني أن نستهين بالاحتكاكات الصغيرة التي تُراكم القسوة في الوعي ثم نتظاهر بعد ذلك بالدهشة من ردود الفعل.
فالأمم لا تفقد هويتها دفعة واحدة بل تُرهقها المجاملات المتكررة حتى تتيه.
لهذا فالمسألة ليست “أين مشاهد الخلاعة؟” فقط بل: لماذا هذا الإصرار على اختبار صبر المجتمع؟ ولماذا هذا الإلحاح على أن يُقال للناس ما لا يرونه كما يريدون أن يُقال لهم؟
ولماذا يتحول الاعتراض إلى جريمة وكأن الدفاع عن الذوق العام صار رجعية؟
إننا لا ندعو إلى الوصاية على الناس ولا إلى محاكمات أخلاقية جاهزة لكننا أيضًا لا نقبل أن يُصادَر حق المجتمع في الغضب أو في السؤال أو في القول إن ما جرى لا يليق بمقام المكان ولا بروح الناس.
فالحياء ليس قيدًا على الحرية بل بوصلة لها.
والعفاف ليس ثوبًا
والأمة التي لا تعرف الفرق بين الحرية والانفلات ستوقّع يومًا على ضياع ذوقها ثم تقول: لم نرَ شيئًا.