الحجّاج يكتب: بعد الأشرفية… وقفة للتأمل واستخلاص الدروس
ديرتا – عمّان / العقبة – كتب معمر الحجاج:
حادثة الأشرفية الأخيرة تستحق التوقف عندها بهدوء وعقلانية، ليس من باب التهويل أو إطلاق الأحكام المسبقة، وإنما من باب قراءة المشهد كما شاهده الأردنيون جميعاً.
بعيداً عن أصل الخلاف أو تفاصيله، فالمشاجرات والخلافات الاجتماعية موجودة في كل المجتمعات، لكن ما جعل هذه الحادثة مختلفة هو طبيعة تطورها ومستوى العنف الذي وصلت إليه خلال فترة قصيرة.
ما شاهدناه لم يكن مجرد مشاجرة تقليدية انتهت بإطلاق عدة عيارات نارية، بل مشهد استثنائي بكل المقاييس بالنسبة للشارع الأردني. منطقة سكنية مكتظة بالسكان، وجود مدنيين في محيط الحدث، استمرار إطلاق النار لفترة لفتت انتباه الجميع، وتداول مقاطع مصورة أظهرت تفاصيل لم يكن الرأي العام يشاهدها في السابق بهذا الوضوح.
الحوادث السابقة التي شهدناها أو سمعنا عنها خلال السنوات الماضية كانت في الغالب مرتبطة بمطلوبين أو أصحاب سوابق أو أشخاص دخلوا في مواجهات مع الأجهزة الأمنية، ولذلك كان المجتمع ينظر إليها باعتبارها أحداثاً مرتبطة بأشخاص اختاروا السير خارج إطار القانون. أما في هذه الحادثة، فإن ما صدم الكثيرين هو أن المشهد بدا مختلفاً عن الصورة التقليدية التي اعتاد الناس ربطها بهذا النوع من الأحداث.
وما يدعو للتفكير ليس فقط ما حدث، بل الكيفية التي حدث بها. فخلال فترة قصيرة انتقل الموقف من خلاف بين أفراد إلى مشهد مسلح خطير داخل منطقة مأهولة بالسكان، الأمر الذي يفرض علينا جميعاً التوقف عند الأسباب والعوامل التي قد تدفع أي إنسان إلى الوصول إلى هذه المرحلة من فقدان السيطرة، بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو المهنية أو التعليمية.
كما أن ما تركته الحادثة في أذهان الناس لا يقل أهمية عن تفاصيلها. فالكثير من الأردنيين شاهدوا للمرة الأولى حادثة بهذا المستوى من القرب والوضوح والتفاصيل، وشاهدوا حجم الخطر الذي يمكن أن يهدد حياة الأبرياء عندما تتجاوز الخلافات حدود العقل والحكمة والقانون. لذلك فإن أهمية هذه الحادثة لا تكمن فقط في نتائجها المؤلمة، بل في الدروس التي يجب أن نتعلمها منها كمجتمع، وفي ضرورة تعزيز ثقافة الحوار وضبط النفس والاحتكام إلى القانون مهما بلغت حدة الخلافات.
وفي الوقت نفسه، من المهم عدم الانجرار وراء الشائعات أو الاستنتاجات غير المبنية على نتائج التحقيقات الرسمية، فالحفاظ على الثقة بالمؤسسات وبمسار العدالة لا يقل أهمية عن مناقشة الحدث نفسه، خصوصاً في ظل الكم الكبير من المعلومات والروايات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
إن قوة المجتمعات لا تقاس بغياب الحوادث عنها، بل بقدرتها على التعلم منها واستخلاص العبر والدروس التي تمنع تكرارها مستقبلاً. ومن هذا المنطلق أرى أن حادثة الأشرفية يجب أن تكون محطة للتأمل والمراجعة الهادئة والمسؤولة، بعيداً عن المبالغة أو التهوين، وبما يسهم في تعزيز أمن المجتمع واستقراره وحماية الأرواح وصون السلم المجتمعي.
وفي النهاية، نسأل الله أن يحفظ الأردن قيادةً وشعباً، وأن يديم عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يرحم من فقدوا حياتهم في هذا الحادث الأليم، وأن يجنب وطننا كل سوء ومكروه،
الأردن اولا …واخيراً