القضاة تُعقب على منشور للمبيضين: الأردن بين إنجازات الأمن وأسئلة المرحلة: هل نحتاج إلى إعادة هندسة المشهد الأمني؟
خاص لـ ديرتنا الإخبارية – عمّان – كتبت رحاب القضاة :
ظُهر هذا اليوم الأربعاء، قرأت منشورا للزميل توفيق المبيضين ناشر ومدير تحرير ديرتنا الإخبارية حول شعور المواطنين وقلقهم ازاء تزايد الجريمة وكثرة تداول الأسلحة بين أيدي المواطنين وإقتنائها ومنها الأسلحة الرشاشة وإستعمالها في المشاجرات ،ومطالبته بأهمية أعادة النظر في الإستراتيجياتو الخطط الوقائية، حيث أسهب وذكر عددا من الإدارات المعنية، مطالبا أيضا بضرورة إجراء تغييرات في بعض القيادات الأمنية.
وهنا ، أرجو أن يسمح استاذي المبيضين بإبداء رأيي، وأزيد على ما تفضل به :
الدول لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها بل بعدد المخاطر التي تمنع وقوعها قبل أن تصبح خبراً.
والأردن الذي طالما قُدِّم كنموذج للاستقرار وسط إقليم مشتعل يقف اليوم أمام أسئلة لا يحب كثيرون سماعها.
فهل ما نراه مجرد حوادث متفرقة كما يُقال دائماً انها تصرفات فردية أم أننا أمام تحولات أعمق يجري التقليل من خطورتها؟
المواطن لم يعد يسمع عن الجريمة من بعيد بل يشاهدها مباشرة على هاتفه ويتابع تفاصيلها لحظة بلحظة.
وبين الرواية الرسمية والشعور الشعبي تتسع فجوة تستحق نقاشاً صريحاً لا مجاملات فيه.
والأردن الذي طالما شكّل واحة استقرار في إقليم مضطرب يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف يستحق التوقف عنده بجدية ومسؤولية.
فالمواطن الذي كان يسمع عن الجريمة في نشرات الأخبار أصبح يراها على شاشة هاتفه كل يوم تقريباً مشاجرات مسلحة إطلاق نار انتشار مقلق للأسلحة الفردية جرائم إلكترونية متطورة ومحاولات مستمرة لترويج المخدرات وتهريبها.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة الأمنية إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تغيرت طبيعة التهديدات أسرع من تطور أدوات مواجهتها؟
الأرقام الرسمية تشير إلى تراجع في بعض أنواع الجرائم والمخدرات خلال عام 2025 وهو أمر يُحسب للأجهزة الأمنية بلا شك.
لكن المشكلة أن الشعور العام لدى المواطنين لا يُقاس بالأرقام فقط بل بما يرونه في حياتهم اليومية وبمدى حضور هيبة القانون في الشارع وبقدرة الدولة على استباق الجريمة قبل وقوعها.
الخطر الحقيقي ليس في عدد الجرائم المسجلة بل في تحوّل بعض الجرائم إلى ظواهر اجتماعية قابلة للتكرار.
فحين يصبح السلاح جزءاً من أي خلاف عابر وحين تتحول المخدرات إلى تجارة ذات شبكات معقدة وحين يعجز المواطن عن فهم حجم الجرائم الإلكترونية التي تحيط به فإننا لا نكون أمام حوادث منفصلة بل أمام مؤشرات تستوجب مراجعة شاملة.
ومن منظور تحليلي أوسع فإن ما يواجهه الأردن لا يختلف كثيراً عن التحولات الأمنية التي شهدتها دول عديدة في المنطقة خلال العقد الأخير.
فمصادر التهديد لم تعد تقتصر على الجريمة التقليدية أو التحديات الحدودية بل امتدت إلى الفضاء الرقمي والشبكات العابرة للحدود والاقتصادات غير المشروعة التي تستفيد من الأزمات الإقليمية.
وفي حين نجحت بعض الدول في خفض معدلات جرائم معينة وجدت نفسها أمام تصاعد في الجرائم الإلكترونية أو أنماط جديدة من الجريمة المنظمة. وهذا يعني أن معيار النجاح الأمني لم يعد يقتصر على ضبط الواقع القائم بل على القدرة على التكيف السريع مع تهديدات متغيرة ومتداخلة.
المراجعة هنا لا تعني جلد المؤسسات الأمنية بل تعني حمايتها من الجمود.
فالدول الذكية لا تنتظر وقوع الأزمات حتى تغيّر بل تعتبر التغيير جزءاً من الوقاية.
ما يحتاجه الأردن اليوم ليس مجرد تبديل أشخاص بل إعادة هندسة كاملة لبعض المفاهيم الأمنية:
ضخ قيادات جديدة تمتلك خبرة ميدانية ورؤية مستقبلية.
بناء وحدات استباقية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
وتشديد الرقابة على مصادر السلاح غير المرخص وتجفيف منابع تداوله.
توسيع مفهوم الأمن ليشمل الأمن الرقمي والنفسي والاجتماعي.
والقيام بربط المؤسسات الأمنية بمراكز أبحاث مستقلة تدرس التحولات المجتمعية قبل أن تتحول إلى أزمات.
إنشاء نظام وطني للإنذار المبكر يرصد مؤشرات العنف والمخدرات والجريمة المنظمة.
إن الأمم لا تسقط فجأة بل تبدأ بالتآكل عندما تعتاد على المؤشرات الخطيرة وتتعامل معها باعتبارها أحداثاً عابرة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل ما زالت أجهزتنا الأمنية تبذل جهداً كبيراً؟
فالجواب نعم.
السؤال الأصعب هو: هل ما زالت الأدوات والعقليات والإجراءات المستخدمة مناسبة لتهديدات عام 2026؟
لكن الجدل الحقيقي يبدأ من نقطة يتجنبها كثيرون: هل المشكلة أمنية فقط أم أن الأمن بات يُطلب منه معالجة نتائج أزمات أعمق منشؤها المجتمع والاقتصاد والتعليم والثقافة؟ فمهما بلغت كفاءة الأجهزة الأمنية فإنها لن تستطيع وحدها إيقاف ظواهر تتغذى يومياً من البطالة وضعف الوعي وتراجع دور الأسرة وانتشار ثقافة العنف والتفاخر بالسلاح وتآكل الثقة بين بعض فئات المجتمع ومؤسساته.
إن أي مشروع إصلاح أمني جاد يجب أن يبدأ من الداخل أولاً من مراجعة الأسباب التي تنتج الجريمة قبل مطاردة مرتكبيها ومن مواجهة الاختلالات الاجتماعية التي تسمح للمخدرات والعنف والجريمة الإلكترونية بالتوسع.
فالأمن ليس دورية في الشارع فقط بل مدرسة تربي وأسرة تراقب وإعلام يوعي ومؤسسات تزرع الانتماء والمسؤولية.
وهنا تكمن الحقيقة الأكثر إثارة للجدل: لا يمكن بناء أمن قوي في الخارج إذا كانت الجبهات الداخلية تعاني من التصدعات.
فكل دينار يُنفق على الوقاية المجتمعية قد يوفر أضعافه في مكافحة الجريمة لاحقاً وكل إصلاح حقيقي في التعليم والثقافة وفرص العمل هو في جوهره استثمار مباشر في الأمن الوطني.
لذلك فإن التغيير المطلوب اليوم ليس تجميلياً ولا إدارياً فحسب بل تغيير في طريقة التفكير نفسها؛ الانتقال من عقلية رد الفعل إلى عقلية صناعة المناعة المجتمعية. وعندما تُصلح الدولة والمجتمع مكامن الخلل في الداخل يصبح التعامل مع التهديدات الخارجية أكثر قوة وفاعلية وتتحول المنظومة الأمنية من جهاز يطارد الأزمات إلى منظومة تمنع ولادتها من الأساس.
الإجابة يجب أن تكون واضحة: الحفاظ على الاستقرار يتطلب اليوم إعادة هندسة المنظومة الأمنية بما يواكب طبيعة التهديدات الجديدة لا الاكتفاء بالاعتماد على نجاحات الماضي. المطلوب إطلاق مراجعة وطنية شاملة تترجم إلى خطط تنفيذية محددة لتحديث البنية الأمنية وتعزيز قدراتها الاستباقية ودمج التكنولوجيا والبحث العلمي في صناعة القرار.
فاستقرار الأردن في المستقبل لن يُصان بالشعارات بل بإرادة حاسمة تتبنى التغيير قبل أن تفرضه التحديات.
** مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية