القضاة تكتب عن الدولار الأسود وطرق الإحتيال”الإنسانية والإجتماعية المُزيّفة”
خاص لـ ديرتنا الإخبارية – كتبت رحاب القضاة:
لفت انتباهي قبل أيام إعلانٌ يكاد يخاطب أكثر غرائز الإنسان ضعفاً: “دولارات بأسعار بخسة جداً”.
ولأن الإنسان بطبيعته فضولي ولأن المال – كما قال الله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ – فقد دفعتني الرغبة في الاستفسار والسؤال لا أكثر ولا أقل.
تواصلت مع صاحب الإعلان وسألته مباشرة: ما القصة؟
كيف تُباع هذه الدولارات بهذه الأسعار؟
هل هي مزورة؟
وهل يمكن التعامل بها داخل البلد؟
جاءت الإجابات مطمئنة بشكل يدعو للريبة أكثر مما يدعو للثقة.
قيل لي إن الدولار “أصلي” لكنه لا يحمل سجلات تجارية خارج بعض الدول وإن الأمر قانوني تماماً. وبصراحة لست خبيرة في الشؤون النقدية و المالية حتى أستطيع التحقق من صحة هذه الادعاءات أو بطلانها.
بدأ الحديث عبر تطبيق “سناب شات” ثم انتقل إلى “واتس آب” عبر شخص آخر قيل إنه صديق للبائع.
وهنا بدأت المسرحية المعتادة.
حديث ناعم وكلمات من النوع الذي يفتح الأبواب المغلقة.
“أنتِ أختي.”
“أنا مستحيل أضرك.”
“الله يضر ابني إذا بضرك.”
“بيننا عهد الله.”
وعلى ما يبدو فإن بعض المحتالين اكتشفوا أن الطريق إلى جيب الضحية يمر أحياناً عبر قلبها وثقتها قبل أن يمر عبر حسابها البنكي.
سألني عن المبلغ الذي أريد شراءه فأجبته بمبلغ مبدئي.
ثم بدأ الإلحاح الحقيقي.
كم معك الآن من المال؟
هل لديك تطبيق البنك؟
لماذا لا تقومين بتحويل دفعة أولى؟
وحين أخبرته أنني لا أملك التطبيق أرسل لي رابطاً لتحميل ما قال إنه تطبيق البنك الذي أتعامل معه.
في تلك اللحظة بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً.
لم يكن الحديث عن الدولار.
ولم يكن الحديث عن التجارة.
بل كان الحديث يدور حول شيء واحد فقط: الوصول إلى المال بأي طريقة ممكنة.
وعندما جاء اليوم الذي كان ينتظر فيه تحويل المبلغ أخبرته أنني تراجعت عن الفكرة تماماً.
فجأة تحول الهدوء إلى ضغط.
أخبرني أنه أرسل رقمي إلى الشخص الذي سيسلمني الدولارات.
وحاول وضعي تحت الأمر الواقع.
وكأنني وقعت عقداً دولياً لا يمكن التراجع عنه.
وحين فشل ذلك جاء فصل جديد من القصة.
طلب مني الشخص الآخر أن أصور بطاقة الصراف الخاصة بي من الأمام والخلف.
وقال بالحرف الواحد:
“اعتبرتك أختي وهذه الأموال هدية من أخ إلى أخته.”
وهنا تذكرت حقيقة بسيطة:
في هذا العالم لا أحد يهدي آلاف الدنانير لغريب تعرف عليه قبل ساعات عبر الإنترنت.
ولو كانت الهدايا توزع بهذه السهولة لما بقي فقير واحد على وجه الأرض.
رفضت الطلب بشكل قاطع وأوضحت أن البطاقة تعود لحساب سعودي وأن إرسال صورها قد يسبب لي مشاكل قانونية ومالية كبيرة.
وهنا انتهت القصة.
لكنها بدأت بالنسبة لي كرسالة يجب أن تُقال.
إن أخطر ما في عمليات الاحتيال الحديثة ليس التكنولوجيا.
وليست الروابط المزيفة.
وليست التطبيقات الوهمية.
بل استغلال القيم الجميلة نفسها.
استغلال الأخوة.
والدين.
والثقة.
والكلمة الطيبة.
حتى أصبح المحتال يبدأ حديثه بالقسم بالله وينهيه بطلب صورة البطاقة البنكية.
لا يوجد ربح خيالي بلا مخاطرة.
ولا توجد دولارات تباع بنصف سعرها الحقيقي.
ولا توجد هدايا مالية من غرباء على الإنترنت.
ولا تعطوا أي شخص صور بطاقاتكم البنكية أو بياناتكم السرية مهما كانت المبررات عاطفية أو دينية أو إنسانية.
فالمحتال الحديث لا يرتدي قناع اللصوص القدامى بل يرتدي قناع الناصح والأخ والصديق.
رسالة إلى مديرية الأمن العام
كل الشكر للجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة الأمنية في مكافحة الجرائم الإلكترونية لكن حجم هذه الأساليب الجديدة يستدعي تكثيف حملات التوعية بشكل أكبر خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت البيئة المثالية لصيادي الضحايا.
نحتاج إلى حملات يومية وقصص حقيقية وتحذيرات مستمرة تشرح للمواطن كيف يبدأ الاحتيال وكيف يتطور وكيف يكتشفه قبل أن يفقد أمواله أو بياناته.
فالتوعية اليوم لم تعد خياراً بل أصبحت خط الدفاع الأول.
وأخيراً… إلى من يمارس هذا العمل الخسيس
قد تنجح مرة.
وقد تخدع شخصاً بسيطاً أو محتاجاً أو حسن النية.
لكنك في كل مرة تفعل ذلك تسرق شيئاً أكبر من المال.
تسرق الثقة بين الناس.
وتقتل المروءة.
وتشوه الصدق.
وتجعل الكلمات الجميلة موضع شك بعدما كانت موضع احترام.
وعندما تصبح عبارة “أنت أخي” او “انت مثل أخي “وسيلة للاحتيال فإن الخسارة الحقيقية ليست في المال بل في سقوط قيمة إنسانية عظيمة كان الناس يتباهون بها يوماً.
احفظوا أموالكم… لكن قبل ذلك احفظوا ثقتكم فبعض اللصوص لم يعودوا يسرقون الجيوب بل يحاولون سرقة العقول والقلوب أولاً.
مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية