القضاة تكتب: بين كرةٍ تُسعد العالم… وكرةٍ تقتل الطفولة – فيديو
خاص لـ ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة:
في مساءات الصيف تمتلئ الملاعب بالهتافات في كأس العالم
تركض كرة القدم بين أقدام اللاعبين فتقفز القلوب فرحًا وتتعالى الصيحات احتفالًا بهدفٍ جميل.
ملايين البشر يتابعون كرةً تصنع البهجة وتجمع الناس حول حلمٍ واحد اسمه الفرح.
لكن في الجهة الأخرى من هذا العالم المتعب هناك كرةٌ أخرى.
كرةٌ لا تحمل ألوان الأندية ولا شعارات البطولات ولا أحلام الصغار بأن يصبحوا نجومًا ذات يوم.
كرةٌ تنتظر طفلًا فقط.
طفلًا لم يرتكب ذنبًا سوى أنه وُلد في بقعةٍ قررت الحروب أن تجعلها ساحةً للأوجاع.
يقترب منها بفضول الطفولة البريء ذلك الفضول الذي جعل الأطفال منذ بداية الخليقة يركضون خلف كل شيءٍ مستدير.
لا يعرف أن ما يراه لعبةً قد يكون فخًا ولا يدرك أن العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان قد ترك له طريقًا مليئًا بالموت بدل الألعاب.
أي قسوةٍ هذه التي تجعل لعبةً مرتبطة بالضحك تتحول إلى رمزٍ للرعب؟
أي انحدارٍ أخلاقي يجعل براءة الأطفال جزءًا من حسابات الحرب؟
في لبنان
كما في أماكن أخرى أنهكتها الصراعات لم تعد المأساة مجرد أرقامٍ تُتلى في نشرات الأخبار. أصبحت سؤالًا أخلاقيًا مدويًا في وجه العالم كله: كيف يمكن للإنسان أن يعتاد رؤية الأطفال وهم يدفعون ثمن نزاعات لم يشاركوا في صنعها؟
الأطفال لا يعرفون السياسة ولا يفهمون خرائط النفوذ ولا يميزون بين المنتصر والمهزوم.
كل ما يعرفونه أنهم يريدون العودة إلى المنزل مع حلول المساء وأن يحملوا أحلامهم الصغيرة إلى الغد.
لكن بعضهم لا يصل إلى الغد.
والمؤلم أكثر من المأساة نفسها أن العالم بات يتعامل معها كخبرٍ عابر.
دقيقة صمت ثم متابعة للمباراة التالية بيان إدانة ثم الانتقال إلى خبرٍ آخر.
وكأن أرواح الأطفال أصبحت تفصيلًا هامشيًا في زمنٍ يتقن صناعة الضجيج ويتقاعس عن صناعة العدالة.
يا لهذا العالم المتناقض…
في مكانٍ ما تُضاء الكشافات فوق المستطيل الأخضر احتفالًا بكرةٍ تجلب السعادة.
وفي مكانٍ آخر تنطفئ حياة طفل لأن كرةً سرقت منه حقه الأبسط: أن يكبر.
ولعل أكثر ما يوجع القلب أن هؤلاء الصغار لم يطلبوا شيئًا استثنائيًا من الحياة.
لم يحلموا بقصورٍ ولا بسلطةٍ ولا بثروة. كانوا يريدون فقط أن يلعبوا.
أن يلعبوا…
لكن حتى هذا الحلم الصغير بدا أكبر من أن يمنحه لهم هذا العالم
وفي آخر الحكاية لم يعد الطفل إلى البيت كما وعد أمه.
بقيت لعبته في الزاوية وبقي كوب الحليب على الطاولة يبرد ببطء وكأن الأشياء كلها كانت تنتظره.
نامت المدينة واستيقظت إلا أن سريره ظل مرتبًا كما تركه صباحًا.
كانت أمه تفتح الباب كلما سمعت وقع خطواتٍ في الخارج ثم تتذكر أن بعض الغياب لا عودة منه.
لم يكن يحلم بأكثر من كرةٍ يركض خلفها وضحكةٍ يحملها إلى المساء.
لكن هذا العالم القاسي سرق منه حتى حقه في أن يكبر.
وربما أقسى ما في الأمر أن الأرض ما زالت تدور بينما توقفت حياة طفلٍ عند أمنيةٍ صغيرة لم تكتمل.
* مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية