القضاة تكتب: حين يتحول الحب إلى ساحة حرب داخلية
خاص لـ ديرتنا الإخبارية – كتبت رحاب القضاة :
ليست المأساة الكبرى في حياة الإنسان أن يفقد شخصًا أحبه
بل أن يفقد نفسه معه.
فنحن نعتقد غالبًا أن معاركنا تدور مع الآخرين
بينما الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن أغلب الحروب تُخاض في الداخل. هناك
في تلك المنطقة المظلمة بين الحب والخوف بين الرغبة في الاقتراب والرغبة في الهرب يتشكل أكثر أنواع الألم تعقيدًا.
بعض البشر لا يرون الآخرين كما هم بل كما يحتاجون إليهم أن يكونوا.
يصنعون من شخص عادي معجزة ومن كلمة بسيطة خلاصًا ومن حضور إنسان واحد وطنًا كاملًا.
ثم يبدأ الخوف.
خوف لا يتعلق بفقدان ذلك الشخص فحسب بل بفقدان الأجزاء التي أودعوها فيه دون أن يشعروا.
وهكذا يصبح الحبيب أكثر من حبيب
والصديق أكثر من صديق والمعالج أكثر من معالج.
يصبح خزنة للأحلام ومستودعًا للأمان ومكانًا أُخفيت فيه أجزاء من الروح هربًا من قسوة العالم.
لكن الكارثة تبدأ عندما يتصرف هذا الإنسان كبشر.
عندما يخطئ.
عندما يتأخر.
عندما يعجز عن تحقيق الصورة الأسطورية التي رسمناها له.
فجأة ينهار المعبد الذي بنيناه بأيدينا ويتحول الملاك إلى شيطان والمنقذ إلى خائن، والحب إلى اتهام.
ليس لأن الآخر تغيّر بل لأن الوهم سقط.
وهنا تكمن واحدة من أكثر الحقائق قسوة في الوجود الإنساني: نحن لا نتألم دائمًا بسبب ما يفعله الناس بنا بل بسبب الفجوة الهائلة بين حقيقتهم وبين الأسطورة التي اخترعناها عنهم.
إن النضج النفسي لا يبدأ عندما نجد أشخاصًا كاملين بل عندما نتوقف عن البحث عن الكمال أصلًا.
عندما ندرك أن الإنسان الذي يمنحنا الدفء قد يجرحنا أيضًا وأن اليد التي تربت على أكتافنا قد تخذلنا يومًا وأن القلب الذي أحببناه ليس معصومًا من النقص.
إن أعظم انتصار يحققه الإنسان على نفسه ليس الانتصار على أعدائه بل قدرته على تحمل التناقض.
أن يحب دون عبادة.
أن يغضب دون كراهية.
أن يحزن دون انهيار.
أن يفقد دون أن يضيع.
فالحياة لا تنقسم
إلى ملائكة وشياطين ولا إلى خير مطلق وشر مطلق.
الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. إنها مساحة رمادية واسعة يعيش فيها الجميع وهم يحملون نورهم وظلالهم معًا.
وعندما يتصالح الإنسان مع هذه الحقيقة يتوقف عن مطاردة الأوهام ويتوقف عن تمزيق العالم إلى نصفين متحاربين.
حينها فقط يكتشف أن السلام لم يكن موجودًا في الخارج يومًا.
كان ينتظره بصمت… في الداخل