رحاب القضاة: هل الضمير فضيلة أم أخطر ديكتاتور عرفه الإنسان؟
خاص لـ ديرتنا الإخبارية – كتبت رحاب القضاة:
نخاف من الطغاة لأنهم يملكون السجون.
ونخاف من الأنظمة القمعية لأنها تملك أدوات العقاب.
لكن أحدًا لا يتوقف كثيرًا أمام أكثر السلطات قسوة في التاريخ: تلك التي تسكن داخل الإنسان نفسه.
لقد أمضت البشرية قرونًا طويلة وهي تبحث عن الحرية بينما كانت تحمل سجّانها في أعماقها دون أن تنتبه.
فكل إنسان يعيش حياتين في الوقت ذاته.
حياة يراها الناس.
وحياة أخرى تجري في الخفاء.
حياة من الحوارات الصامتة والمحاكمات السرية والاتهامات التي لا يسمعها أحد.
هناك في الداخل قاعة محكمة لا تُغلق أبوابها أبدًا.
يجلس القاضي على المنصة منذ الطفولة.
ويصدر الأحكام دون استئناف.
أنت مذنب.
كان بإمكانك أن تكون أفضل.
لم تنجح بما يكفي.
لم تحب بما يكفي.
لم تضحِّ بما يكفي.
والغريب أن الإنسان لا يثور على هذا القاضي رغم أنه قد يكون أكثر ظلمًا من كل من قابله في حياته.
لقد علمتنا الحضارة كيف نخاف من المجرمين.
لكنها لم تعلمنا كيف نخاف من الأفكار التي تسكن رؤوسنا.
فكم من شخص هزمته فكرة؟
وكم من إنسان دمرته كلمة لم ينطقها أحد بل قالها لنفسه؟
المأساة أن معظم الناس يعتقدون أن معركتهم مع العالم.
بينما الحقيقة أنهم يقضون أعمارهم في حرب أهلية داخلية.
جزء منهم يريد الحياة.
وجزء آخر يراقبه بشك.
جزء يريد المغامرة.
وجزء يذكره بكل احتمالات السقوط.
جزء يريد الحب.
وجزء يهمس له أن الخذلان ينتظره عند أول منعطف.
لهذا يبدو الإنسان الحديث متعبًا رغم كل وسائل الراحة التي تحيط به.
فالمشكلة لم تعد في نقص الطعام أو الدواء أو التكنولوجيا.
المشكلة أن الضجيج الخارجي أصبح أهون من الضجيج الداخلي.
لقد انتصر الإنسان على الأمراض الكثيرة لكنه لم ينتصر بعد على ذلك الصوت الذي يطالبه بأن يكون نسخة مثالية من نفسه.
والسؤال الذي يزداد إلحاحًا كل يوم:
من الذي اخترع هذه الصورة المثالية أصلًا؟
من الذي قرر أن الإنسان يجب أن يكون ناجحًا دائمًا؟
قويًا دائمًا؟
سعيدًا دائمًا؟
منتجًا دائمًا؟
أليس الفشل جزءًا من الطبيعة البشرية؟
أليست الهشاشة جزءًا من تكويننا؟
أليس الحزن أحد أكثر المشاعر إنسانية؟
ربما كانت أكبر خدعة في العصر الحديث أننا لم نعد نُقاس بما نحن عليه بل بما يُفترض أن نكون عليه.
ومن هنا يبدأ العذاب.
فكلما اقترب الإنسان من الصورة المطلوبة اكتشف أن المسافة ما زالت بعيدة.
وكلما حقق إنجازًا ظهر معيار جديد.
وكلما صعد درجة اكتشف أن السلم لا نهاية له.
لهذا لا تبدو الأزمة النفسية المعاصرة أزمة مرض بقدر ما تبدو أزمة معنى.
فالإنسان لم يعد يعرف إن كان يعيش حياته حقًا أم يؤدي دورًا كُتب له مسبقًا.
ولا يعرف إن كانت رغباته نابعة منه أم زُرعت فيه منذ سنوات طويلة.
ولا يعرف إن كان صوته الداخلي حكيمًا أم جلادًا يرتدي قناع الحكمة.
وربما لهذا السبب يبقى السؤال الأكثر رعبًا في علم النفس والفلسفة معًا:
إذا كان الإنسان يستطيع أن يهرب من كل شيء…
فكيف يهرب من نفسه؟