مقالات

رحاب القضاة: ذهب غانا.. حين تتحول السبائك إلى سلاح سيادي

خاص لـ ديرتنا الإخبارية – كتبت رحاب القضاة :

في عالم اليوم لم يعد الذهب مجرد معدن نفيس يُخزن في الخزائن أو يُزيّن الأعناق بل أصبح أداة نفوذ سياسي واقتصادي لا تقل أهمية عن النفط والغاز.
ومن هنا يمكن فهم القرار الغاني الأخير بفرض قيود صارمة على صادرات الذهب وإعادة تنظيم القطاع تحت مظلة الدولة، في خطوة تتجاوز كونها إجراءً إدارياً إلى تحول استراتيجي قد يعيد رسم ملامح سوق الذهب في إفريقيا.

تدرك غانا أكبر منتج للذهب في القارة الإفريقية أن الثروة الحقيقية لا تكمن في استخراج المعدن فحسب بل في التحكم بمساراته التجارية والمالية.
فعلى مدى سنوات طويلة كانت كميات ضخمة من الذهب تغادر البلاد عبر قنوات رسمية وغير رسمية بينما كانت القيمة المضافة والأرباح الكبرى تتراكم في مراكز التجارة العالمية خارج الحدود الغانية.
ولذلك جاء القرار الجديد ليضع الدولة في قلب المعادلة لا على هامشها.

اقتصادياً
تسعى الحكومة الغانية إلى وقف نزيف الإيرادات الناتج عن التهريب والتجارة غير المنظمة.
فكل غرام ذهب يخرج من البلاد دون رقابة يمثل خسارة مباشرة للخزينة العامة ويؤدي إلى حرمان الاقتصاد المحلي من العملات الأجنبية التي يحتاجها بشدة.
ومن المتوقع أن يؤدي تشديد الرقابة إلى زيادة الاحتياطات النقدية وتعزيز قدرة الحكومة على دعم العملة المحلية ومواجهة الضغوط التضخمية.

غير أن الوجه الآخر للقرار يحمل تحديات لا يمكن تجاهلها. فالأسواق بطبيعتها لا تحب القيود والمستثمرون يفضلون البيئات المفتوحة التي تتمتع بدرجات عالية من الحرية والمرونة.
ولذلك قد تنظر بعض الشركات الأجنبية إلى هذه الإجراءات باعتبارها مؤشراً على تصاعد التدخل الحكومي ما قد يدفع جزءاً من الاستثمارات إلى البحث عن أسواق بديلة أكثر انفتاحاً.

سياسياً
يبعث القرار برسالة واضحة مفادها أن الدول الإفريقية بدأت تعيد النظر في علاقتها بمواردها الطبيعية.
فبعد عقود من تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية بأسعار مضاعفة بدأت تظهر موجة جديدة من السياسات الاقتصادية التي تقوم على استعادة السيطرة الوطنية على الثروات الاستراتيجية. إنها محاولة لإعادة كتابة قواعد اللعبة التي حكمت الاقتصاد العالمي لعقود طويلة.

أما على مستوى سوق الذهب العالمي
فإن التأثير قد لا يظهر بصورة فورية لكنه يحمل أبعاداً بعيدة المدى.
فالذهب يعيش منذ سنوات حالة من الصعود المدفوعة بالاضطرابات الجيوسياسية والتوترات الدولية والتخوف من التضخم العالمي
وفي ظل الحروب والصراعات وتراجع الثقة ببعض العملات عاد المستثمرون إلى الذهب بوصفه الملاذ الآمن الأول.

وإذا نجحت غانا في إحكام قبضتها على القطاع وتقليص عمليات التهريب، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تنظيم تدفقات الذهب نحو الأسواق العالمية وربما إلى زيادة الشفافية في سلاسل التوريد.
أما إذا أدت القيود إلى تقلص المعروض أو إلى تعقيد عمليات التصدير فقد نشهد ضغوطاً إضافية على الأسعار العالمية خاصة إذا اتجهت دول إفريقية أخرى إلى تبني سياسات مشابهة.

اللافت أن القرار يأتي في لحظة يشهد فيها العالم تغيراً جذرياً في مفهوم الثروة.
فالبنوك المركزية حول العالم تشتري الذهب بمعدلات غير مسبوقة والدول الكبرى تسعى إلى تعزيز احتياطياتها منه تحسباً لأي اضطرابات مستقبلية.
وهذا يعني أن الذهب لم يعد مجرد أصل مالي بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي الاقتصادي للدول.

في المحصلة
لا يمكن النظر إلى الخطوة الغانية باعتبارها قراراً فنياً يتعلق بالتصدير فقط بل هي إعلان عن مرحلة جديدة تحاول فيها الدول المنتجة للموارد الطبيعية استعادة دورها في تحديد مصير ثرواتها.
وقد يختلف الخبراء حول جدوى القيود ومدى نجاحها لكن المؤكد أن الذهب لم يعد مجرد معدن يُستخرج من باطن الأرض بل أصبح ورقة قوة في صراع اقتصادي عالمي يتشكل أمام أعيننا.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستكون غانا بداية موجة إفريقية جديدة تعيد رسم خريطة تجارة الذهب العالمية أم أن ضغوط الأسواق والمستثمرين ستجبرها على التراجع؟
الإجابة لن تحدد مستقبل غانا وحدها بل قد تحدد أيضاً مستقبل واحدة من أهم السلع الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.

زر الذهاب إلى الأعلى