رحاب القضاة: في بلادنا… تضارب المصالح يستقيل، أما المصالح، فلا!
خاص لـ ديرتنا الإخبارية – عمّان – كتبت رحاب القضاة
في الأردن
يبدو أن بعض الأخبار لم تعد تحتاج إلى محلل سياسي بل إلى كاتب كوميديا سوداء.
الخبر يقول إن وزيرًا استقال بسبب تضارب مصالح بعد أن تبيّن أن عطاءً حكوميًا رسا على شركة يملكها ابنه.
جميل… فهناك استقالة وهناك اعتراف بأن شيئًا ما لم يكن في مكانه الصحيح.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا استقال؟
السؤال هو: كيف وصل العطاء إلى هذه المرحلة أصلًا؟
أليس للعطاءات لجان؟
أليس لها تدقيق؟
أليس لها رقابة؟
أم أن الملف ظل يتنقل بين المكاتب مثل ضيف شرف في حفل زفاف والجميع يصفق له حتى وصل إلى خط النهاية؟
الغريب في الأمر أن تضارب المصالح عندنا يشبه إشارات المرور في الثالثة فجرًا…
الجميع يراها لكن لا أحد يتوقف عندها.
نحن لا نكتشف المشكلة عند بدايتها بل بعد أن تصبح عنوانًا عريضًا على المواقع الإخبارية، ثم يبدأ موسم البيانات والاستقالات والتأكيد على أن “الدولة لا تتهاون”.
وهنا تبدأ المسرحية الجميلة.
الفصل الأول:
“لم نكن نعلم.”
الفصل الثاني:
“بمجرد أن علمنا اتخذنا الإجراءات.”
أما الفصل الثالث فهو الأكثر إبداعًا:
“تمت الاستقالة.”
وكأن الاستقالة أصبحت ممحاة تمسح الأسئلة قبل أن تمسح الخطأ.
المواطن لا يبحث عن رأس مسؤول يعلّقه على باب المدينة ولا يريد أن تتحول كل قضية إلى محكمة شعبية.
كل ما يريده أن يفهم كيف دخلت كرة الثلج إلى أعلى الجبل ومن الذي دفعها ومن الذي صفق لها وهي تتدحرج.
لأن المشكلة ليست في الشخص وحده…
المشكلة في النظام الذي يسمح للمصلحة أن تدخل من الباب الرئيسي ثم يكتشف لاحقًا أنها كانت ترتدي بطاقة تعريف باسم “تضارب مصالح”.
الشفافية الحقيقية لا تبدأ عند تقديم الاستقالة…
الشفافية تبدأ قبل توقيع أول ورقة.
وقبل أن يصبح الخبر مادة دسمة للسخرية على مواقع التواصل.
فالدول القوية لا تُقاس بعدد الاستقالات…
بل بعدد الأخطاء التي تمنعها أن تقع أصلًا.
أما نحن
فما زلنا نعامل كل قضية وكأنها حادث سير مفاجئ رغم أن الطريق نفسه مليء بالحفر منذ سنوات.
وفي النهاية…
لا أحد يغضب لأن مسؤولًا أخطأ فالبشر يخطئون.
لكن الناس تغضب عندما يصبح الخطأ موظفًا رسميًا والاستثناء قاعدة والمساءلة تأتي بعد أن يلتقط الجميع صورة تذكارية مع الأزمة.
عندها فقط…
نعلن بكل فخر أن “تضارب المصالح غادر المبنى” بينما تبقى الأسئلة واقفة عند الباب تنتظر من يسمح لها بالدخول.