رحاب القضاة: بين إشارة وصوت محمد عبده… وإشارة “أمّي”


خاص لـ “ديرتنا الإخبارية” – كتبت رحاب القضاة :
كنت أمارس حقي الدستوري في المسرب اليمين.
أمشي بهدوء ومحمد عبده يغني في الخلفية بعد العصر والسيارة تسير بسرعة تناسب إنسانًا لم يعد لديه موعد مع الحياة إلا أن يصل إلى البيت سالمًا ويشرب فنجان قهوة ..
وفجأة…
ظهرت خلفي سيارة شيفروليه وكأنها في مهمة لإنقاذ العالم من كائن فضائي.
بدأت تلطش الضوء بطريقة جعلتني أعتقد أن هناك نيزكًا يسقط فوق سقف سيارتي أو أنني نسيت طفلًا على سطح المركبة.
نظرت يمينًا…
رصيف.
نظرت يسارًا…
سيارات.
نظرت للأعلى…
لم أجد إلا رحمة الله.
قلت في نفسي: يا أخي… أين تريدني أن أذهب؟
هل تريدني أن أفتح بوابة زمنية وأختفي خمس دقائق حتى تمر؟
او ان اذهب أكثر إلى اليمين لادخل منزل احد السكان ؟؟؟
لكن الرجل لم يقتنع.
فتح الشباك…
وأخرج يده بهذه الحركة العجيبة.
المشكلة ليست في الحركة…
المشكلة أنني فور رؤيتها عدت ثلاثين سنة إلى الوراء.
هذه ليست حركة سائق غاضب…
هذه الحركة هي نفسها الحركة الرسمية التي كانت تعتمدها أمي عندما تريد أن تعلن حالة الطوارئ داخل المنزل.
حركة تعني:
“تعال هون… والله لأريك النجوم في عز الظهر.”
لدرجة أنني كدت أوقف السيارة تلقائيًا وأنزل معتذرًا وأقول له:
“حقك عليّ… والله ما برجع أعيدها.”
ثم تذكرت أن الرجل لا يعرفني أصلًا!
ومنذ ذلك اليوم وأنا أسأل أهل الخبرة:
ماذا تعني هذه الحركة في قاموس سائقي الأردن؟
هل تعني:
تعال اقترب؟
الله يرضى عليك تحرك؟
أم أنها إعلان رسمي عن نزال في الجولة الثالثة لمصارعة حرة ؟
أم أنها مجرد لغة إشارة جديدة لم تصدرها وزارة النقل بعد؟
أم طلب صداقة؟
أم أنه كان يريد أن يسألني عن أقرب مخبز؟
لأن لغة السائقين في الأردن تحتاج إلى مترجم محلف.
كل هذه الاسئلة اقتحمت راسي
هناك لغة كاملة تُدرّس في الشوارع.
لطشة ضوء تعني: تحرك.
لطشتان: تحرك بسرعة.
خمس لطشات: أنا أهم من الإسعاف.
أما إخراج اليد…
فهذه مرحلة متقدمة لا يصل إليها إلا أصحاب الخبرة والغضب المزمن.
العجيب أننا شعب إذا تأخرنا عشر ثوانٍ على الإشارة…
تصرفنا وكأن البورصة العالمية انهارت بسببنا.
السؤال إلى أين أنت ذاهب بهذه العجلة؟؟
حتى لو وصلت قبل الجميع…
سيبقى الحمص ساخنًا.
وسيظل البنك يفتح الساعة نفسها.
وسيظل المدير يوبخك للأسباب نفسها.
لكن أكثر ما أضحكني ان هذه الحركة هي الشعار الرسمي للأمهات..
الطريف في الموضوع أننا أصبحنا شعبًا يتواصل أثناء القيادة بإشارات اليد أكثر مما يتواصل بالكلام.
كل واحد يفتح الشباك وكأنه مترجم لغة إشارة معتمد.
واحد يلوح…
واحد يشير…
وواحد يرسم لك قصة حياته بكف يده.
ولو سألت كل واحد منهم بعد خمس دقائق عن سبب غضبه سيقول:
“والله ما بعرف… بس كان مستفز.”
يا جماعة…
المسرب اليمين اسمه مسرب هادئ وليس منصة إطلاق صواريخ.
إذا كنت مستعجلًا فهذه ليست مشكلة السيارة التي أمامك.
ربما مشكلتك مع المنبه الذي لم يوقظك أو مع القهوة التي شربتها متأخرًا أو مع اعتقادك أن الطريق ملكية خاصة باسم العائلة.
أما أنا…
فقد وصلت إلى البيت سالمًا.
ولم أفكر في الشيفروليه…
ولا في الضوء…
ولا حتى في التجاوز…
كل ما بقي عالقًا في ذهني هو تلك الحركة.
جلست أتأمل الصورة وأضحك.
لأنها لم تذكرني بسائق غاضب…
بل ذكرتني بأمي وهي تقول من آخر الصالة:
“تعال هون…”
والغريب…
أنني حتى اليوم رغم أن عمري كبر ما زلت أشعر أن هذه الحركة لا تحتاج إلى ترجمة…
بل تحتاج إلى وصية قبل تنفيذها!