رحاب القضاة: في ترخيص السلط لا تحتاج إلى شراء تذكرة لمسرحية كوميدية سوداء… يكفي أن تجلس في سيارتك
خاص لـ “ديرتنا الإخبارية- كتبت رحاب القضاة :
جلست أراقب المشهد من بعيد فإذا بي أمام عرض حيّ بعنوان: “الرسوب له جنس، ذكر / انثى”
خرجت سيدة في أواخر الأربعين من سيارة الفحص.
لم تنجح.
لم تصرخ.
لم تحتج.
لم تقل إن الفاحص ظالم ولا إن السيارة خانتها ولا إن الشمس كانت في عينيها.
نزلت بصمت… ذلك الصمت الذي يشبه اعتذارًا عن جريمة لم ترتكبها.
وفي الطرف الآخر كان زوجها ينتظرها… لا ليقول: “المرة القادمة تنجحين.”
بل ليقيم مؤتمرًا صحفيًا غاضبًا أمام الجمهور.
كانت يداه تتحركان أكثر من إشارات المرور وصوته أعلى من صوت محرك السيارة وهي واقفة تنظر إليه بصمت…
صمت امرأة أدركت أن الرسوب الحقيقي لم يكن في امتحان القيادة بل في اختيار الشخص الذي يقف بجانبها حين تخسر.
ولم تمض دقائق حتى خرجت فتاة أخرى.
رسبت هي أيضًا.
اقترب والدها… وبدأ العرض الثاني.
كانت تعيد بطاقتها الشخصية إلى محفظتها بيد مرتجفة بينما الكلمات تتساقط عليها كالحجارة. لم تدافع عن نفسها ولم تبكِ… فقط كانت تؤجل دموعها إلى مكان لا يراه أحد.
ثم بدأت أراقب الشباب.
المشهد كان مختلفًا تمامًا.
كل شاب يرسب يخرج محاطًا بمحامي دفاع مجاني.
“الفاحص قاصد.”
“السيارة خربانة.”
“الأرض مائلة.”
“الكون متآمر.”
ولا أحد يرفع صوته عليه ولا أحد يلوح بيده في وجهه ولا أحد يعامله وكأنه ارتكب خيانة وطنية.
الغريب أنني كنت أراقب ساحة الفحص نفسها.
كمية السيارات التي عجز أصحابها عن الاصطفاف كانت تكفي لإقناعك أن مواقف السيارات في الأردن ليست أزمة عمرانية… بل أزمة مهارية.
وهنا فقط فهمت الحقيقة.
هناك فرق شاسع بين ما يُقال على مواقع التواصل وبين ما تراه بعينك.
كل يوم نقرأ عشرات المنشورات:
“رسبوني ظلم.”
“الفاحص يتعمد.”
“النظام فاشل.”
لكن عندما تشاهد الامتحان بعينيك ترى سيارات تدخل الموقف وكأنها تحاول احتلال دولة مجاورة وترى آخرين يبحثون عن الرصيف وكأنه اختفى من الخريطة.
فلا… ليس كل من رسب مظلومًا.
وأحيانًا يكون الرصيف هو الضحية الوحيدة.
لكن الأكثر إيلامًا من الرسوب… هو طريقة استقبال الراسب.
كم هو مؤلم أن تتحول إلى متهم لأنك أخطأت في موقف سيارة.
وكم هو قاسٍ أن يكون الشخص الذي يفترض أن يربت على كتفك… هو أول من يكسره.
في ترخيص السلط لم أشاهد امتحان قيادة فقط…
شاهدت امتحانًا للأخلاق.
بعض الناس نجحوا في القيادة ورسبوا في الإنسانية.
وبعض النساء رسبن في الاصطفاف… لكنهن نجحن في الصبر بطريقة لو وُزعت على هذا العالم لأصبح أكثر رحمة.
أما نحن…
فنحتاج إلى إعادة فحص من يحمل المقود داخل البيت… قبل أن نعيد فحص من يحمله في الشارع.
* مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية