اعلى الصفحةالرئيسيمقالات

حول إنتقادات البعض عن مشاركة جورج وسوف في مهرجان جرش 40..القضاة تكتب: حين يشيخ الجسد هل يجب أن يُعدم التاريخ؟

ديرتنا – مهرجان جرش 2026 – كتبت رحاب القضاة:

في كل مرة يصعد فيها اسمٌ كبير إلى المسرح يخرج من يعتقد أن الفن يُقاس بقوة الحبال الصوتية فقط وكأن العمر جريمة وكأن السنين التي منحت الناس آلاف الذكريات يمكن أن تُمحى بجملة ساخرة أو وصفٍ مستفز.

وصفُ مشاركة الفنان جورج وسوف في مهرجان جرش بأنها “معاقبة للجمهور” ثم السخرية من صوته ليس نقدًا فنيًا بقدر ما هو استعراضٌ قاسٍ يخلو من الإنصاف.
فالنقد الحقيقي يناقش الأداء أما السخرية من إنسان أنهكه العمر والمرض فهي لا ترفع من قيمة الرأي بل تُنقص من قيمة صاحبه.

إذا كانت إدارة مهرجان جرش قد أخطأت فأين الدليل؟
هل أجبرت الناس على شراء التذاكر؟
هل أغلقت أبواب المهرجان حتى لا يخرج أحد؟
أم أن الجمهور بكل بساطة اختار أن يكون هناك لأنه يريد أن يرى جورج وسوف؟

هذه هي الحقيقة التي يتجاهلها البعض.

الجمهور ليس قاصرًا حتى يُفرض عليه فنان لا يريده. الجمهور هو صاحب القرار الأول والأخير وهو الذي يمنح الفنان مكانته أو يسحبها منه. ولو كان جورج وسوف قد انتهى كما يدّعي البعض لما بقي اسمه قادرًا على جمع آلاف المحبين بعد عقود من العطاء.

الفن ليس سباقًا لاختيار أقوى صوت وإلا لامتلأت المسارح بأصحاب الحناجر فقط.
الفن ذاكرة، وإحساس، وتجربة، وهو ذلك الأثر الذي يتركه الفنان في القلوب قبل أن يتركه في الآذان.

نعم…
تقدّم جورج وسوف في العمر وأرهقه المرض وربما لم يعد صوته كما كان في سنوات مجده لكن هل أصبح ذلك مبررًا لاغتيال تاريخه؟
وهل يُصبح الوفاء لفنانٍ عاش مع الناس أفراحهم وأحزانهم مادةً للسخرية؟

من السهل أن نكتب جملة جارحة وأن نحصد التفاعل.
لكن من الصعب أن نكون منصفين.
الاحترام لا يعني أن نُصفق لكل أداء لكنه يعني ألا نحاكم تاريخًا كاملًا بلحظة ضعف.
فالذين صنعوا وجدان أمة لا يُختزلون في نبرة صوتٍ خافتة ولا في خطوةٍ متعبة على خشبة المسرح.

الأمم التي تحترم ثقافتها تُكرّم رموزها حتى وهم يتكئون على العمر لأنها تدرك أن القيمة لا تُقاس بما يستطيع الجسد أن يفعله اليوم بل بما صنعه صاحبه عبر عشرات السنين.

ومن جانب آخر بعيدا عما ذُكر، يبقى السؤال الأهم والأقرب للمنطقية…
من الذي عاقب الجمهور فعلًا؟.. أهي إدارة المهرجان الجديدة التي أتت على عقود مبرمة مسبقا مع مبالغ نقدية كانت مدفوعة مقدما وشروط جزائية، مثلا ..؟ أم المقصود الإساءة الشخصية للإدارة الجديدة ضمن أجندات ومنهجية ولأسباب شخصية ..؟
أم  هو فنانٌ جاء ليقف أمام جمهوره رغم المرض احترامًا لمحبتهم أم خطابٌ اختار أن يهين ذاكرة الملايين من أجل عبارةٍ صاخبة؟

قد يضعف الصوت… لكن التاريخ لا يبحّ.
وقد تنحني القامة… لكن القامات الكبيرة لا تسقط.

* مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى