من عمّان إلى بكين وشنغهاي… رحلة تعليمية أعادت رسم الصين في خيال الطلبة دون أن يغادروا الأردن

ديرتنا – عمّان – متابعة رحاب القضاة:
انطلق برنامج «Bridges to the East – جسور نحو الشرق»، بالشراكة مع المركز الثقافي الصيني، ليقدم نموذجًا مبتكرًا للتبادل الثقافي يقوم على التعلم بالممارسة والتجربة المباشرة، ويجعل الثقافة تجربة معاشة، والمعرفة ممارسة يومية، والتعلم أثرًا مستدامًا.
وأكد السيد جاو، مدير المركز الثقافي الصيني والمستشار الثقافي في السفارة الصينية، أن البرنامج يجسد رؤية المركز في بناء جسور إنسانية وثقافية بين الشعبين الأردني والصيني، موضحًا أن فهم الثقافات يبدأ عندما يعيشها الإنسان ويتفاعل معها بصورة مباشرة. وأضاف أن هذه المبادرات تتيح للشباب الأردني اكتشاف الصين بلغتها وثقافتها وقيمها الإنسانية وإنجازاتها العلمية، وتسهم في إعداد جيل أكثر انفتاحًا وقدرة على الحوار والتعاون بين الحضارات.
وأوضحت الأستاذة ريم حسين، المستشارة التربوية في التبادل الثقافي، ومصممة البرنامج، ومؤسسة مشروع «جسور نحو الشرق»، أن فكرة البرنامج انطلقت من سؤال محوري: كيف يمكن أن نمنح الطالب تجربة زيارة الصين دون أن يغادر الأردن؟ ومن هذا السؤال وُلدت فلسفة البرنامج، فصُممت الأنشطة على هيئة محطات متكاملة يعيش خلالها الطلبة تفاصيل الثقافة الصينية كما يعيشها الزائر في بكين وشنغهاي، مع ربط تلك الخبرات بالبيئة المحلية من خلال شراكات مع مؤسسات ورواد أعمال ومشروعات أردنية، إيمانًا بأن المعرفة تزداد قيمة عندما تتحول إلى مبادرات تخدم المجتمع المحلي.
واستهلت الرحلة بتعلم أساسيات اللغة الصينية، واكتشاف جماليات الخط الصيني، والتعرف إلى الرموز التي شكلت هوية الحضارة الصينية عبر التاريخ. كما تعرف الطلبة إلى رمزية الباندا العملاقة بوصفها رمزًا للسلام والصداقة والانسجام مع الطبيعة، ثم جسدوا هذه المعاني في تجربة إبداعية من خلال تصميم وصناعة كوكيز مستوحاة من الباندا بنكهات ذات طابع صيني.
وخلال الحفل الختامي، أوضحت الطالبة سيرينا أبو طالب أن الباندا في الثقافة الصينية تحمل معاني تتجاوز كونها رمزًا وطنيًا، فهي تجسد قيم السلام والصداقة والتعايش بين الشعوب، لتجسد في كلماتها إحدى الرسائل الرئيسة التي حملها البرنامج.
ثم انتقل المشاركون إلى عالم المائدة الصينية، فتعرّفوا إلى طبق Hot Pot بوصفه تجربة اجتماعية تجمع العائلات والأصدقاء، وإلى طبق Dumplings المرتبط بالاحتفالات الصينية ورموز الرخاء والبدايات السعيدة. كما تعلموا آداب المائدة وطريقة استخدام العيدان الصينية Chopsticks، وأدركوا أن الطعام في الثقافة الصينية يمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية والعادات المتوارثة.
وتواصلت الرحلة نحو الصين الحديثة من خلال لقاء مع الخبير خالد الأحمد، الذي تناول مفهوم الهوية الرقمية، وأسس بناء حضور مهني مؤثر، والمهارات التي يتطلبها الاقتصاد المعرفي، بما يهيئ الشباب لفرص المستقبل.
وفي محور الاستدامة، استكشف المشاركون تطبيقات الزراعة الذكية، والزراعة المنزلية، والأمن الغذائي، وتعرفوا إلى دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير الإنتاج الزراعي والمحافظة على الموارد الطبيعية، في نموذج جمع بين الابتكار والمسؤولية البيئية.
وحظي الرفاه النفسي وجودة حياة المشاركين باهتمام خاص، إذ استندت مجموعة من الأنشطة إلى نموذج PERMA لتعزيز المشاعر الإيجابية، والاندماج، والعلاقات الإنسانية، والإحساس بالمعنى، والإنجاز. كما شاركت الأمهات أبناءهن في أنشطة تفاعلية، من بينها جلسات Tai Chi الهادفة إلى تنمية التركيز، والاتزان، والوعي بالذات، إلى جانب بطاقات التأمل التي شجعت على الحوار والتفكير العميق، في تأكيد على أن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة ويكتمل داخل الأسرة.
وأكدت السيدة إيناس، والدة الطالب فارس الخطيب، خلال الحفل الختامي، أن هذه الأنشطة أسهمت في تعزيز الحوار والتقارب بين الأمهات وأبنائهن خلال مرحلة المراهقة، كما وفرت فرصة مثالية لاستثمار الإجازة الصيفية في توسيع معارف الطلبة بالثقافات العالمية، وتنمية مهاراتهم الحياتية، وترسيخ قيم الانفتاح، والحوار، والتعلم المستدام.
وأفسح البرنامج المجال أمام الطلبة ليكونوا شركاء في تقديم التجربة، فاستعرضت الطالبتان ألما دادا وسارة لباني المشروعات الختامية التي وثقت رحلة التعلم، بينما ألقى الطالب عبدالرحمن تيسير الهندي كلمة باللغة الصينية عكست مستوى التقدم الذي حققه المشاركون في اكتساب اللغة وثقتهم باستخدامها أمام الجمهور.
كما قدمت الطالبات جود زكريا، وريم حمدان، وروان الراوي، ومضاء، وملاك الجبوري، وليليان فارس أغنية «الياسمين» باللغتين الصينية والإنجليزية، في لوحة فنية جسدت التلاقي الثقافي ورسخت رسالة الصداقة بين الشعبين الأردني والصيني.
واستعرض كل من ميلا متوخ، وحلا الرداد، وهاشم الرداد وفارس لباني ونادين الحريري رحلتهم في الابتكار وريادة الأعمال، موضحين كيف انعكست أنشطة البرنامج على طريقة تفكيرهم، وعززت روح الابتكار والعمل الجماعي لديهم.
وبرزت الروح القيادية لدى الطلبة من خلال الأدوار التنظيمية التي تولتها سلمى الشكعة وليليان سمور وآدم فارس في إدارة الفعاليات والأنشطة، وهي تجربة عملية أتاحت لهما ممارسة القيادة، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح الفريق في مواقف واقعية.
واختُتم البرنامج في المركز الثقافي الصيني بتوزيع الشهادات والاحتفاء بمشروعات الطلبة ونتاجاتهم، في مشهد عكس ثمرة رحلة تعليمية وثقافية متكاملة. وقدم «جسور نحو الشرق» نموذجًا يؤكد أن التبادل الثقافي يحول المعرفة إلى تجربة، والتجربة إلى قيم ومهارات ترافق الإنسان في مستقبله العلمي والمهني، وتعمق اعتزازه بهويته الوطنية، وانفتاحه الواعي على الثقافات العالمية، وإيمانه بأن الحوار والتعاون هما الطريق إلى مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا.
