اعلى الصفحةالرئيسيمقالات

القضاة تكتب: حين يتحول مهرجان جرش إلى “جريمة” بعيون بعض المهاجمين والمنتقدين !

ديرتنا – عمّان – كتبت رحاب القضاة :

حين يتحوّل مهرجان جرش إلى “جريمة” في عيون بعض المتذمرين نكتشف أننا أمام ظاهرة أعجب من المهرجان نفسه: أناس يريدون من البلد أن يطفئ أنواره كي لا يزعجهم الضوء وأن يطلب من التاريخ أن يعتذر لأنه ما زال حيًا.

المشكلة ليست في جرش بل في أولئك الذين يزعجهم أي مشهد جميل ويستفزهم أي تجمع للناس حول الفن ويصيبهم الذعر كلما سمعوا كلمة “ثقافة” كأنها تهديد أمني لا احتفال حضاري.
يريدون إلغاء المهرجان وكأن إلغاء الموسيقى سيصلح مزاجهم وكأن إسدال الستارة على المسرح سيُسقط الفقر أو يُطفئ الوجع أو يحلّ أزمات الدنيا بنقرة واحدة.

يا سادة
مهرجان جرش ليس حفلة على الهامش ولا موضة موسمية تُقاس برضا “خبراء التخريب الجماعي”. جرش ذاكرة وطن وواجهة بلد ومساحة يلتقي فيها الفن بالتاريخ وتتصالح فيها المدينة مع جمهورها ويستعيد فيها الأردن صورته التي يعرفها العالم: بلدٌ يصنع الجمال ولا يعتذر عنه.

أما الذين يطالبون بإلغائه في كل موسم فهؤلاء لهم منطق عجيب للغاية: لا يريدون للناس أن تفرح ولا للهوية أن تُعرض ولا للموسيقى أن تمرّ ولا للحياة أن تُعلن عن نفسها.
كأن الوطن عندهم يجب أن يبقى في وضع الصمت الدائم وكأن الفرح بندٌ زائد في الميزانية وكأن المسرح مؤامرة والضوء ترف غير مشروع.

يقولون: ألغوا المهرجان! وكأنهم اكتشفوا فجأة أن الثقافة مكلفة بينما لم يزعجهم يوماً أن تدفع الأوطان ثمناً باهظًا لغياب الجمال.
الغريب أنهم يطلبون من البلد أن يكون أقل حياةً كي يثبتوا أنهم الأكثر “حرصًا” عليه. وحرصهم هذا بالمناسبة يشبه من يطفئ المصباح ثم يشتكي من الظلام.

الإنتقاد الإيجابي وإبداء الرأي حق كفله الدستور، لكن، جرش ليست مجرد فنان صعد على المسرح ولا ليلة طربية ولا مقعدًا في مدرج أثري ولا عرضا للتراث .
جرش رسالة بأن الأردن ما زال قادرًا على أن يقدّم للعالم شيئًا غير الشكوى: يقدّم فنًا ويقدّم تاريخًا ويقدّم وجهًا حضاريًا يليق به.
وهذا على ما يبدو يزعج البعض أكثر مما يجب.

ومن أراد أن ينتقد فليتفضل لكن بميزان العقل لا بمنشار السخط.
وليقل: لا يعجبني هذا الحفل أو لا يروق لي هذا الفنان أو لديّ ملاحظة على التنظيم.
أما تحويل كل مهرجان إلى ساحة إعدام معنوي فهذه ليست غيرة على الوطن بل فقر في الرؤية وثقافة “المنع” حين تعجز عن الفهم.

البلدان العظيمة لا تخاف من الفن، بل تحتضنه.
لا تذبح الفرح بل تنظمه.
لا تحارب المهرجانات بل تجعلها جزءًا من صورتها أمام العالم.
أما من يصرّ على أن الحياة يجب أن تبقى رمادية كي يشعر بالراحة فذلك مشروعه الشخصي لا مشروع وطن.

جرش سيبقى لأن الحجر الذي حمل التاريخ لا يليق به إلا الصوت الجميل ولأن الأردن لا يُختصر في ضجيج المتذمرين. ويبقى الأجمل أن نختلف بأدب وننتقد بوعي ونحفظ للمؤسسات الوطنية قيمتها، وللوطن حقه في الفرح.
لأن من لا يحتمل أغنية لن يحتمل أيضًا معنى الحضارة.

*مساعد مدير تحرير ديرتنا الأردنية الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى