اعلى الصفحةحول العالمعربي دولي

النساء والدراجات النارية في طهران… واقعٌ جديدٌ بعد عقودٍ من الجدل

ديرتنا – إذا سافرت إلى طهران بعد سنواتٍ من الغياب، فإنَّ أكثر ما سيلفت انتباهك هو العدد الكبير من الدراجات النارية الصغيرة والملونة التي تقودها الفتيات والنساء. وتقريباً لا تحمل معظمهن رخص قيادة، شأنهن في ذلك شأن الرجال الذين يقودون الدراجات النارية، إذ إنَّ الحصول على رخصة قيادة للدراجات النارية لم يكن شائعاً في إيران أساساً.

والآن، إلى جانب العدد الكبير من النساء اللواتي يقدن السيارات، يمكن رؤية أعدادٍ كبيرة من الفتيات وهنَّ يقدن الدراجات النارية مرتدياتٍ خوذات الأمان. وهي صورةٌ كانت تُثير دهشة الكثيرين لسنواتٍ طويلة، لكنها أصبحت اليوم مشهداً عادياً.
وإذا زرت المقاهي المزدحمة في طهران، فمن المؤكد أنك سترى عدداً من الفتيات اللاتي قدن دراجاتهن النارية وقد أوقفنها خارج المقهى. كما أنَّ رؤية نساءٍ على دراجاتٍ نارية عند إشارات المرور الحمراء في الشوارع الرئيسية للعاصمة أصبحت أمراً مألوفاً.
تقول مينو إنَّها منذ شهرين، وبعد شرائها دراجةً ناريةً صغيرة، أصبحت تتنقل بها في شوارع طهران. وأكدت أنَّه، خلافاً لما كانت تتوقعه في البداية، لم تتعرض لأي مضايقة، بل إنها كثيراً ما لقيت في الشوارع تشجيعاً ودعماً من الرجال الذين يقودون الدراجات النارية.
أما آتوسا، وهي امرأةٌ أخرى تقود دراجةً ناريةً منذ نحو عام، فتقول إنَّ شراء الدراجة خلَّصها من الازدحام المروري الشديد في طهران، كما وفَّر عليها كثيراً من نفقات التنقل.
وكذلك مليكا، التي بدأت منذ عدة أشهر بالذهاب إلى عملها على متن دراجتها النارية. ويقع مقر عملها في وسط طهران، حيث الازدحام المروري الكثيف. وتؤكد أنَّ قيادة الدراجة جعلت الازدحام لم يعد يشكل عائقاً كبيراً أمامها، كما ساعدتها كثيراً في تنقلاتها اليومية إلى وسط المدينة ومختلف مناطقها.
ويقول علي، الذي يقود دراجةً ناريةً في طهران منذ عدة سنوات، إنَّ عدد النساء اللواتي يقدن الدراجات النارية ازداد، مشيراً إلى أنهن أكثر حذراً من الرجال ويلتزمن بقواعد المرور بدرجةٍ أكبر.
وتضع جميع النساء تقريباً اللواتي يقدن الدراجات النارية خوذ الأمان، وهو ما يؤكد صحة ما قاله علي.
واللافت أنَّ النساء كان يمكن دائماً رؤيتهن جالساتٍ خلف سائقي الدراجات النارية لعقودٍ طويلة، لكن الجديد هو أنهن أصبحن يقدنها بأنفسهن.
وتحولت قيادة النساء للدراجات النارية في إيران خلال السنوات الأخيرة من قضيةٍ رياضيةٍ وهامشيةٍ إلى واحدةٍ من القضايا الاجتماعية والحقوقية والحضرية، بل وحتى النسوية. كما أصبح الإصرار على حصول النساء على رخص قيادة للدراجات النارية موضع جدلٍ وتنافسٍ بين القوى الاجتماعية والسياسية.
وعلى الرغم من أنَّ النساء في طهران يتنقلن يومياً بالدراجات النارية في الشوارع، فإنَّ قضية إصدار رخص القيادة والوضع القانوني لهذا الأمر كانت خلال السنوات الأخيرة محل خلافٍ بين الحكومة والشرطة والجهات التشريعية، إلى أن حُسمت في نهاية المطاف بتدخل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان لمصلحة النساء، حيث أُعلن أنَّ بإمكانهن التقدم بطلب للحصول على رخصة قيادة للدراجات النارية، علماً بأن النساء في إيران يحصلن على رخص قيادة السيارات ويقدنها منذ عقود.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تحصل النساء في إيران أيضاً على رخص قيادة الحافلات والمركبات الثقيلة، مثل الشاحنات، ويوجد عددٌ من السائقات العاملات في قطاع النقل بالحافلات داخل المدن وبينها.
وألزمت حكومة بزشكيان، في قرارٍ أصدرته العام الماضي، الشرطة باتخاذ الترتيبات اللازمة لإصدار رخص قيادة الدراجات النارية للنساء، من خلال الاستعانة بمدرباتٍ وممتحنات. كما شدد القرار على تطوير الدراجات النارية الكهربائية وتعزيز معدات السلامة. ولحل هذه القضية، لجأت حكومة بزشكيان إلى مجلس الوزراء مباشرةً، ولم تسلك طريق البرلمان.
وبعد إقرار قرار الحكومة، اعتبر عددٌ من أعضاء البرلمان أنَّه يتعارض مع القوانين السارية، وطالبوا بإلغائه أو تعديله. ورأى بعضهم أنَّ مثل هذا التغيير ينبغي أن يتم حصراً من خلال تشريعٍ يصدر عن البرلمان، وليس عبر قرارٍ لمجلس الوزراء.
وبموجب القانون القديم، كان إصدار رخص قيادة الدراجات النارية يقتصر على الرجال لسنواتٍ طويلة. ولهذا السبب كانت الشرطة تقول سابقاً إنَّ النساء اللواتي يقدن الدراجات النارية من دون رخصة يرتكبن مخالفةً مروريةً وفقاً للأنظمة. وفي الوقت نفسه، أقرَّ بعض المسؤولين السابقين في الشرطة بأنَّ قيادة النساء للدراجات النارية أصبحت «مطلباً عاماً واجتماعياً»، وتحتاج إلى حسمٍ قانوني.
وخلال السنوات الماضية، تقدمت مجموعةٌ من النساء بطلباتٍ إلى ديوان العدالة الإدارية للحصول على رخص قيادة، وصدر في بعض القضايا أحكامٌ قضائيةٌ لمصلحة المتقدمات، إلا أنَّ تنفيذ تلك الأحكام لم يُعمَّم. وأدى ذلك إلى استمرار الخلاف بين التفسير القانوني للنصوص والممارسة التنفيذية، وبقاء وضع النساء اللواتي يقدن الدراجات النارية غامضاً.
وكان هادي صادقي، نائب رئيس السلطة القضائية، وهو أيضاً رجل دين، من أبرز المؤيدين لتعديل القانون. فقد صرح في مقابلةٍ بأنَّ قيادة النساء للدراجات النارية «لا يوجد لها مانعٌ شرعي»، وأنَّه إذا جرى تعديل القانون فإنَّ السلطة القضائية ستوافق أيضاً على إصدار رخص القيادة للنساء. وأضاف كذلك أنَّه لا يوجد في القانون العام ما يمنع ذلك. وجاء هذا التصريح رداً على بعض الانتقادات التي كانت تعتبر قيادة النساء للدراجات النارية مخالفةً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
كما أعلن سلمان زارع، عضو اللجنة القضائية والقانونية في البرلمان، أنَّ إصدار رخص قيادة الدراجات النارية للنساء «حقٌّ قانوني» لهن، وأنَّ أغلبية النواب ستوافق على مشروع القانون إذا قدمته الحكومة إلى البرلمان. وأضاف أنَّ النساء شأنهن شأن الرجال، ينبغي أن يتمكنَّ من الاستفادة من التراخيص القانونية الخاصة بالقيادة. وفي نهاية المطاف، نجحت حكومة بزشكيان في حل المشكلة من دون المرور عبر البرلمان.
وجاء ذلك في وقتٍ كانت فيه بعض التيارات السياسية والدينية المتشددة تعارض بشدة خلال السنوات الأخيرة قيادة النساء والفتيات للدراجات النارية. وكان المحور الرئيس لهذه المعارضة يتمثل في الحفاظ على الحجاب والعفة والأعراف الاجتماعية. وكان أصحاب هذا الرأي يرون أنَّ قيادة الدراجات النارية في الأماكن العامة قد تتعارض مع بعض الاعتبارات الثقافية والفقهية، رغم أنَّ جميع المراجع الدينية الشيعية لا يتبنون هذا الرأي، وأنَّ المواقف في هذا الشأن ليست موحدة. بل إنهم كانوا يوجهون انتقاداتٍ حادةً إلى حكومة الرئيس مسعود بزشكيان بسبب سعيها إلى إزالة العقبات في هذا المجال.
في المقابل، شددت ناشطاتٌ في مجال حقوق المرأة وبعض الناشطين الاجتماعيين مراراً على أنَّ منع إصدار رخص القيادة لم يمنع النساء من قيادة الدراجات النارية، بل أدى إلى أنَّ كثيراتٍ منهن أصبحن يتنقلن في الشوارع من دون تدريبٍ رسمي، ومن دون تأمين، ومن دون رخصة قيادة. ويرى هذا الفريق أنَّ تقنين قيادة النساء للدراجات النارية يمكن أن يعزز السلامة، كما يتيح للشرطة ممارسة رقابةٍ أكثر فاعلية.
ويعود جانبٌ من إقبال النساء على قيادة الدراجات النارية إلى أسبابٍ اقتصادية، وارتفاع أسعار شراء السيارات، والازدحام المروري الشديد في العاصمة، وتزايد استخدام الدراجات النارية الكهربائية، والحاجة إلى وسائل نقلٍ أقل تكلفة. وتستخدم النساء في بعض مناطق طهران الدراجات النارية في تنقلاتهن اليومية، أو للذهاب إلى العمل أو الجامعة، أو لإنجاز شؤونهن الشخصية.
أما في المجال الرياضي، فإنَّ النساء يمارسن منذ سنواتٍ رياضات الدراجات النارية، مثل الموتوكروس والإندورو وسباقات الدراجات النارية داخل الصالات. وينظم اتحاد الدراجات النارية والسيارات مسابقاتٍ ودوراتٍ تدريبيةً خاصةً بالنساء، إلا أنَّ هذه التصاريح تقتصر على الحلبات الرياضية، ولا تعني السماح بالتنقل في الطرق العامة. كما حذَّر الاتحاد، في بعض الفترات، من نشاط مراكز غير مرخصة لتعليم النساء قيادة الدراجات النارية، وطالب قوات الشرطة باتخاذ الإجراءات اللازمة بحقها.

القدس العربي

زر الذهاب إلى الأعلى