اعلى الصفحةالرئيسيمقالات

القضاة تكتب: إذا كان الملك لا يهاب العالم… فلماذا يهاب المواطن من المطالبة بحقه وإبداء رأيه الذي كفله الدستور؟

خاص وحصري لـ “ديرتنا الإخبارية” – كتبت رحاب القضاة:

يا دولة… لا تخافي من صوت مواطن.
خافي من اليوم الذي يتوقف فيه المواطن عن الكلام.
في نيويورك وقف الملك عبدالله الثاني أمام العالم شامخًا صوته لا يرتجف ونظراته لا تبحث عن مخرج ولغة جسده تقول شيئًا واحدًا:

الأردن ليس للبيع
وحقه ليس للتفاوض.
وكرامته ليست ورقة على طاولة أحد.

هكذا نريد ملك الأردن.
وهكذا نريد الأردن.
ملكٌ يذهب إلى قلب العالم ليقول: لا
لا للعدوان.
لا للاقتلاع لا لتغيير الحقائق بالقوة.
لا لابتلاع حقوق الآخرين.
لا لمن يعتقد أن القوة تمنحه الحق.
فنصفق ونشعر بالفخر.

ثم نعود إلى الداخل…
فنجد مواطنًا يقف أمام مؤسسات بلده ويقول:

«هذا حقي.»
فنسأل:
ماذا يحدث عندما يقول المواطن لا؟
هنا تبدأ الحكاية التي لا أريد لها أن تمر بهدوء.

هنا اسم نبيلة الحشوش.

امرأة من الأغوار.
مزارعة.
صوت خرج من الأرض لا من صالون سياسي.
امرأة تقول إن هناك حقًا تريد الدفاع عنه وإن قضية الأرض بالنسبة لها ليست منشورًا عابرًا على فيسبوك إنها حياة وذاكرة ورزق وكرامة.
وبحسب ما أوردته تقارير منشورة أوقفت نبيلة على خلفية نشاطها واحتجاجها في قضية الأراضي الزراعية ورفض طلب تكفيلها
قد تكون هناك تهمة
وقد يكون هناك تحقيق.
وقد يكون القضاء صاحب الكلمة الأخيرة.
ولا نريد أن نأخذ مكان القضاء.
لكننا نريد أن نسأل السؤال الذي يحق لكل أردني أن يسأله:

لماذا أصبح قول «هذا حقي» يحتاج إلى كل هذا الخوف؟
لماذا لا يكون الرد الأول:
تعالي اجلسي اشرحي
هاتِ وثائقك.
هاتِ أدلتك.
سنحقق.
سنسمع الطرف الآخر.

ثم يقول القانون كلمته.
لماذا نشعر أحيانًا أن الطريق إلى التوقيف أقصر من الطريق إلى الاستماع؟

هذه ليست تهمة لأحد.
هذه صرخة سؤال.

والأسئلة في الدول القوية لا تُخيفها.
بل تجيب عنها.

ولنتحدث بصراحة عن الجرائم الإلكترونية

يا وحدة الجرائم الإلكترونية…

أنتم لستم خصم المواطن.
أنتم يفترض أن تكونوا حصنه .
نحن نريدكم أقوياء.
نريدكم شرسين.
نريد المجرم الإلكتروني يرتجف عندما يسمع اسمكم.

لكننا لا نريد الأردني الشريف أن يرتجف.
نريد الفتاة التي تعرضت للابتزاز أن تدخل إليكم وهي مطمئنة
نريد المرأة التي انتهكت خصوصيتها أن تعرف أنكم معها.
نريد من يشهر بالناس ويهددهم وينتهك أعراضهم أن يعرف أن الشاشة ليست ملجأً.

نريد السيف في وجه الجريمة.
لا في وجه من يطلب حماية القانون.

وهنا السؤال الذي يوجع:
إذا كان هناك من انتهك كرامات الناس وخصوصياتهم وأعراضهم عبر الفضاء الإلكتروني فلماذا لا يرى المواطن دائمًا السرعة والحزم نفسيهما؟

لا نتحدث عن أشخاص محددين بلا أدلة.
ولا نريد محاكمات على منصات التواصل.

لكننا نسأل عن المعيار.
هل هو واحد؟
هل سرعة الإجراءات واحدة؟
هل حماية الضحية واحدة؟

هل القانون نفسه عندما يكون خلف الشاشة رجلٌ قوي وامرأةٌ ضعيفة وشابٌ لا يملك إلا هاتفه؟

هنا بيت القصيد.
لأن العدالة لا تقاس فقط بمن نوقفه.
العدالة تقاس أيضًا بمن نحميه.

ابا الحسين
هذه ليست معركة ضد الدولة

بل العكس.
هذه معركة حتى لا يخسر المواطن إيمانه بالدولة.
أنت قلت للعالم إن القانون ليس لعبة.

قلها لنا أيضًا.
اجعل الأردني يراها في حياته.
اجعل المزارع يشعر أن أرضه لها دولة.
اجعل المرأة تشعر أن كرامتها لها دولة.
اجعل الضحية تشعر أن شكواها لها دولة.
اجعل الصحفي يشعر أن سؤاله لا يجعله خصمًا.
واجعل المواطن عندما يقول:
«هذا حقي»

لا يفكر أولًا:
«ماذا سيحدث لي؟»

بل يفكر:
«دولتي ستسمعني».

نحن لا نطلب حصانة لنبيلة
ولا نطلب إلغاء القانون.
ولا نطلب أن تكون فوق المساءلة.
نطلب فقط أن تكون تحته مثل الجميع.
إن أخطأت فالقضاء يقول كلمته.
إن جرّمت فالقانون يحاسبها.
وإن كانت بريئة فلتُصان حريتها وكرامتها.

هذا هو القانون.
وهذا هو معنى الدولة.
أما أن تصبح التهمة حكمًا قبل القضاء والتوقيف إدانة في نظر المجتمع فهذا خطر على الجميع.

لأن التوقيف ليس بطولة.
والحبس ليس دليلًا على قوة الدولة.
القوة أن تستطيع الدولة أن تحقق دون ظلم وتحاسب دون انتقام وتحمي دون انتقائية.

ثم تعالوا نعود إلى الصورة الأولى.
الملك في نيويورك.
واقف.
ثابت.
لا يخاف العالم.
يتحدث عن الأردن كما لو أن الأردن شخص يقف خلفه ويقول:
لا تسمحوا لأحد أن يسلبنا حقنا.
وأنا أريد أن أضع أمامه صورة أخرى:
مزارع يقف أمام أرضه.
امرأة تقف أمام مؤسسة.
صحفي يقف أمام قضية.
مواطن يقف أمام موظف.
وكل واحد منهم يقول:
«هذا حقي».

لأن الدولة التي يخاف فيها المواطن من الموظف…

ليست الدولة التي يحلم بها الملك.

والآن السؤال الذي لن أدفنه تحت السجاد
إذا كان القانون واحدًا…
فلماذا لا يشعر الناس أنه واحد؟

وإذا كانت الكرامة مصونة…
فلماذا يشعر بعض ضحايا الانتهاكات أن عليهم أن يقاتلوا وحدهم حتى يُسمع صوتهم؟

وإذا كانت وحدة الجرائم الإلكترونية وجدت لحماية المجتمع…
فلماذا يخاف بعض الناس من الوصول إليها بدل أن يشعروا أنها ملاذهم؟

وإذا كان الملك لا يقبل أن تُفرض على الأردن معادلات ظالمة من الخارج…
فهل يقبل أن يشعر أردني واحد فقط أن حقه يحتاج إلى واسطة حتى يصل إليه؟

لا أظن.

وأنا لا أريد أن أصدق ذلك.
لأنني أريد أن أصدق بالأردن الذي تحدث عنه الملك أمام العالم.

الأردن الذي لا يُباع.
الأردن الذي لا يُرهب.
الأردن الذي لا يميز بين قوي وضعيف عندما يفتح القانون كتابه.

يا دولة الأردن…
لا تخافي من المواطن الذي يصرخ.
خافي من المواطن الذي صمت بعد أن تعب.

لا تخافي من الصحفي الذي يسأل.
خافي من الصحفي الذي قرر ألا يسأل.

لا تخافي من المرأة التي تقول:
«هذا حقي».
خافي من اليوم الذي تقول فيه:
«لا فائدة».

لأن المواطن الذي يصرخ ما زال يؤمن أن هناك من يسمعه.

أما المواطن الذي فقد صوته…

فقد لا يكون قد فقد وطنه لكنه بدأ يفقد ثقته بأن الوطن يسمعه.

وهنا تحديدًا تبدأ الكارثة.

زر الذهاب إلى الأعلى