مقالات

القضاة تكتب: الأردن… حين يبكي الوطن لا تسألوا الدمعة عن دينها

خاص وحصري لـ “يدرتنا الإخبارية”- كتبت رحاب القضاة:

ثمة أوطانٌ إذا جُرحت سال الدم من أرضها وثمة أوطانٌ إذا جُرحت سالت من عيون أبنائها حكاياتٌ من الوجع لا تعرف كيف تنتهي.
أمّا الأردن فله حكايةٌ أخرى حكاية وطنٍ تعلّم أبناؤه أن يختلفوا في صلواتهم لكنهم يتشابهون حين يبكون وأن تتجه وجوههم إلى جهاتٍ مختلفة في العبادة بينما تتجه قلوبهم إلى جهةٍ واحدة حين يستغيث إنسان.

في الكرك
حيث تعرف الحجارة أسماء العابرين، وحيث لا تزال البيوت تحفظ رائحة الخبز ودفء الجيرة وُلدت حكايةٌ تستحق أن تُروى لا لأنها غريبة
بل لأنها تشبه الأردن حين يكون في أجمل ما فيه حكاية الأب محمد جورج شرايحة رجل الدين المسيحي الذي حمل اسم محمد وبقي الاسم جزءًا من هويته وحكايته في صورةٍ تختصر معنى أن تكون إنسانًا قبل أن تكون عنوانًا في سجلات الآخرين.

تأملوا الاسم قليلًا… محمد.

اسمٌ يعرفه المسلمون بمحبتهم وإجلالهم ويحمله رجلٌ مسيحيٌّ في قلب مدينةٍ أردنية
كأن القدر أراد أن يضع أمامنا مرآةً ويسألنا: منذ متى صرنا نحتاج إلى أن نتشابه كي نحب؟
ومنذ متى صار الاسم سورًا بعدما كان جسرًا؟
وكيف استطاعت عقولٌ ضيقة أن تقنع بعض البشر بأن اختلاف المعتقد سببٌ للعداء فيما تستطيع حكاية إنسانٍ واحد أن تهدم هذه الفكرة من أساسها؟

لم يكن محمد مضطرًا إلى أن يتخلى عن اسمه ليكون مسيحيًا ولم يكن محتاجًا إلى أن يتخلى عن إيمانه كي يحتفظ باسمه.
كان ببساطة إنسانًا يحمل حكايته كما هي وفي هذه البساطة درسٌ أكبر من كل الخطب التي تُلقى عن التسامح وأصدق من كل الشعارات التي نرفعها في المناسبات ثم ننسى معناها حين نغضب.

يا الله…
كم يبدو الإنسان عظيمًا حين يتسع قلبه للاختلاف وكم يبدو صغيرًا حين يضيق صدره باسمٍ على هوية أو بصلاةٍ ترتفع من كنيسة أو بأذانٍ يوقظ السماء من مئذنة!

ثم جاءت الكرك
لا لتروي لنا حكايةً جميلة هذه المرة بل لتضع الحزن كله في منتصف الطريق.

جاءت فاجعة إطلاق النار خلال تشييع جنازة في قرية حمود يوم الثالث والعشرين من تشرين الأول عام 2026 لتترك وراءها ضحايا ومصابين وبيوتًا لا تشبه نفسها بعد الآن.
كان هناك أناسٌ اجتمعوا ليودّعوا ميتًا يحملون في صدورهم ذلك الحزن الذي يعرفه البشر جميعًا
حزنٌ لا يحتاج إلى ترجمة ولا يسأل صاحبه عن اسم الله الذي يدعوه ولا عن اللغة التي يرتجف بها صوته حين يقول: وداعًا.

ذهبوا ليمنحوا الراحله حقها الأخير في الوداع فإذا بالموت يفتح بابًا آخر وإذا بالغياب الذي جاءوا ليبكوه يمدّ يده إلى أناسٍ آخرين وإذا باللحظة التي كان ينبغي أن تنتهي بدمعةٍ أخيرة تتحول إلى بداية عمرٍ كامل من الأسئلة.

أيُّ قسوةٍ هذه التي تجعل الإنسان يذهب ليودّع ميتًا فيعود إلى بيته محمولًا على أكتاف الذين سيودّعونه؟

وأيُّ قلبٍ يستطيع أن يتخيل أمًّا كانت تنتظر ابنها وربما أعدّت له سؤالًا عاديًا عن يومه أو احتفظت له بطعامٍ على المائدة ثم تجد نفسها فجأةً أمام خبرٍ لا يشبه أي خبر خبرٍ لا تستطيع أن تعيده إلى المرسل لتقول له: أرجوك تأكد !!!
لا بد أنك أخطأت الاسم!

كيف ستفتح تلك الأم باب البيت بعد اليوم؟
كيف ستنظر إلى الطريق الذي اعتاد ابنها أن يسلكه؟ وكيف ستقنع قلبها بأن المساء سيأتي ككل مساء مع أن أحدًا لن يعود ليملأ المكان الذي كان له؟

هناك أوجاعٌ لا تصرخ تجلس بهدوءٍ في زوايا البيوت، وتترك أصحابها يتعلمون لغةً جديدة اسمها التحمّل.
هناك أمهاتٌ لا يبكين أمام الناس لأنهن يخشين أن ينهار من بقي لهن.
وآباءٌ يتظاهرون بالقوة لا لأنهم أقوى من الفقد بل لأنهم لا يعرفون كيف يشرحون لأبنائهم أن العالم الذي وعدوهم بأنه آمن قد ترك في أرواحهم سؤالًا لا جواب له.

وهناك أطفالٌ لن يفهموا لماذا صار الكبار يتحدثون بصوتٍ منخفض ولماذا أصبح اسم أحد أحبائهم يُقال متبوعًا بالصمت ولماذا لا يجيب الهاتف مهما طال الرنين.

يا لهذا الموت حين لا يأخذ الإنسان وحده بل يأخذ معه ترتيب البيت
وعادة المساء
وصوت المفاتيح عند الباب
والأمان الذي كان يسكن التفاصيل الصغيرة دون أن ننتبه إليه.

إن أكثر ما يخيف في الفواجع ليس الألم الذي تتركه في يوم وقوعها بل ما قد تفعله في الأيام التالية.

عندها تكون الرصاصة قد تجاوزت جسد من أصابته وبدأت تبحث عن قلب الوطن.

وهنا
بالضبط يجب أن نقف.

ليس بالصراخ وحده
ولا بالغضب الذي يستهلك نفسه
ولا بعباراتٍ كبيرة تُكتب في لحظة الانفعال ثم تتبخر بل بأن نرفض أن نمنح الجريمة سلطةً على أخلاقنا وأن نمنح الكراهية حقًّا في تحديد من نحب ومن نحترم ومن نقف إلى جواره حين ينكسر.

فالأردن ليس قصةً بدأت اليوم ولن تختصره فاجعةٌ مهما بلغت قسوتها.

الأردن هو الجار الذي حمل عن جاره ما عجز عن حمله والبيت الذي فتح بابه في ساعة العسر واليد التي امتدت قبل أن تسأل عن الاسم والأم التي أوصت أبناءها بأن يحفظوا حق الجيرة والأب الذي علّمهم أن الرجولة ليست في القدرة على إيذاء الآخر بل في القدرة على حمايته حين يصبح ضعيفًا.

الأردن هو المسلم الذي يواسي جاره المسيحي والمسيحي الذي يقف مع جاره المسلم والإنسان الذي يعرف أن دمعة المكلوم لا تُوزن بعقيدته وأن الكرامة لا تتجزأ
وأن الوطن الذي لا يحمي جميع أبنائه لا يستطيع أن يمنح أحدًا منهم أمانًا كاملًا.

كم من بيوتٍ أردنيةٍ اجتمعت فيها القلوب في الأعياد المختلفة!
وكم من جيرانٍ تبادلوا أطباق الطعام والتهاني وتقاسموا الأفراح
وجلسوا جنبًا إلى جنب في الأتراح
دون أن يطلب أحدٌ من الآخر أن يشرح له لماذا يؤمن كما يؤمن!

هذه الحكايات لا تظهر كلها في نشرات الأخبار
ولا تملك دائمًا صورًا لافتة لكنها هي التي تصنع الوطن في كل يوم لأن الأوطان لا تُبنى فقط بما يحدث أمام الكاميرات بل بما يفعله الناس حين لا يراهم أحد.

وهذا هو الأردن الذي لا يستطيع أحدٌ أن ينال منه ما دام أبناؤه يرفضون أن يتحولوا إلى غرباء في وطنهم.

لا أحد يستطيع أن يضمن أن وطنًا لن يُجرح أو أن مجتمعًا لن يواجه محنةً ثقيلة.
لكننا نستطيع أن نقرر أن جراحنا لن تصبح إذنًا للظلم وأن دماء أبنائنا لن تتحول إلى سكينٍ في صدور أبنائنا الآخرين وأن من يحاول زرع الفتنة لن يجد فينا أرضًا سهلةً يزرع فيها كراهيته.

إن الانتقام الذي يصيب بريئًا ليس قوةً بل خسارةٌ جديدة.
والتحريض الذي يشعل الخوف بين الناس لا يعيد ميتًا ولا يشفي مصابًا ولا يخفف عن أمٍّ ثقل الفقد. إنما يوسّع دائرة المأساة حتى يصبح كل إنسانٍ خائفًا من الآخر ويصبح الوطن بيتًا مليئًا بالأبواب المغلقة بعد أن كان بيتًا تتجاور فيه الحياة على اختلاف وجوهها.

لا نريد هذا الأردن.

لا نريد أن يكبر أطفالنا وهم يظنون أن اسمًا مختلفًا يعني خطرًا
أو أن كنيسةً مجاورةً للمسجد سببٌ للريبة أو أن الإنسان يجب أن يشبهنا حتى يستحق منا الرحمة.

نريد أن نعلّمهم أن الإيمان لا يحتاج إلى كراهية الآخر كي يثبت وأن احترام الإنسان لا ينتقص من عقيدة أحد وأن القوة الحقيقية ليست في أن نجعل الجميع نسخةً واحدة بل في أن نحمي حقهم في الاختلاف دون خوف.

نريدهم أن يكبروا وهم يعرفون أن اسم محمد قد يحمله رجلٌ مسيحي وأن المسيحي قد يكون أخًا وصديقًا وجارًا وأن المسلم قد يجد في جاره المسيحي سندًا في لحظة انكسار وأن الحياة أوسع من الأحكام التي نطلقها على الناس قبل أن نعرفهم.

نريدهم أن يعرفوا أن الأردن ليس ملكًا لطائفةٍ دون أخرى
ولا حكايةً يكتبها فريقٌ وحده إنه مسؤوليةٌ مشتركة وبيتٌ لا يستقيم سقفه إذا شعر أحد أبنائه أنه يقف خارجه.

وفي هذه اللحظة لا نحتاج إلى أن نتظاهر بأن الحزن صغير ولا أن نطالب أسر الضحايا بأن تنسى
ولا أن نضع فوق جراحهم كلماتٍ جميلةً ونمضي. نحتاج إلى أن نحترم حزنهم ونقف إلى جانبهم ونطالب بالحقيقة والعدالة ونمنع أي محاولةٍ لاستغلال دمائهم في التحريض.

إلى أهل الكرك إلى الأمهات اللواتي يواجهن أصعب امتحانٍ يمكن أن تواجهه أم إلى الآباء الذين يحاولون أن يتماسكوا فيما تنكسر أرواحهم إلى الأزواج والأبناء والإخوة الذين وجدوا أنفسهم فجأةً أمام مقاعد فارغة وصورٍ لا تستطيع أن تعانقهم…

ليس في الكلمات ما يكفيكم.

ليس في المقالات ما يعيد إليكم من فقدتم.

ولا توجد عبارةٌ تستطيع أن تقنع القلب بأن الغياب صار حقيقةً حين يكون الغائب جزءًا من كل شيء.

لكن لكم حقًّا علينا ألا نترككم وحدكم وألا نحول أسماء أحبتكم إلى أرقامٍ عابرة وألا نسمح لمأساتكم بأن تُستغل لإيذاء إنسانٍ بريء.
لكم حقٌّ في العدالة وفي أن يبقى وطنكم إلى جانبكم وفي أن تعرفوا أن الحزن الذي دخل بيوتكم ليس حزن جماعةٍ واحدة، بل وجعٌ إنساني يستحق أن يقف أمامه الأردنيون جميعًا برؤوسٍ خاشعة وقلوبٍ مفتوحة.

رحم الله من رحلوا
وشفى المصابين وأعان كل بيتٍ على عبور الأيام التي تأتي بعد الفاجعة تلك الأيام التي يبدو فيها العالم مستمرًا في حياته بينما يشعر أهل الفقد أن الزمن توقف عند لحظةٍ واحدة وأنهم تُركوا وحدهم ليحاولوا فهم ما لا يمكن فهمه.

ولعلّ أصدق وفاءٍ لمن رحلوا أن نحمي الأحياء من أن يرحلوا بالطريقة نفسها وأن نمنع تكرار المأساة وأن نثبت أن دماء الأبرياء لا تضيع في الضجيج بل تقودنا إلى مزيدٍ من العدالة والمسؤولية.

أما محمد
صاحب الحكاية التي بدأت باسمٍ وانتهت برسالة فيبقى تذكيرًا بأن الإنسان يستطيع أن يحمل هويته دون أن يحوّلها إلى جدار وأن يعتز بإيمانه دون أن ينتقص من إيمان غيره
وأن يعيش في وطنٍ يحترم فيه الناس بعضهم بعضًا دون أن يطلبوا من قلوبهم أن تتشابه.

يا أردن يا حكايةً كتبتها أيدي البسطاء قبل أن تكتبها الأقلام لا تسمح للحزن أن يسرق منك وجهك.

لا تسمح للرصاص أن يعلّم أبناءك لغةً غير لغتهم ولا للفتنة أن تقنعهم بأن الجار عدو
ولا للغضب أن يمحو من ذاكرتهم يدًا امتدت إليهم في يومٍ كانوا فيه عاجزين عن الوقوف.

أنت لست وطنًا لم يعرف الألم أنت وطنٌ يعرف أن الألم مهما اشتد لا ينبغي أن يكون نهاية الرحمة. ولست وطنًا لا يختلف أبناؤه أنت وطنٌ يستحق أن يحفظ اختلافهم من أن يتحول إلى سلاحٍ يقتل ما يجمعهم.

قد تُفجع الكرك وقد تبكي البيوت وقد تمرّ على الأردن أيامٌ ثقيلةٌ لا تعرف فيها القلوب كيف تنام.
لكن ما لا يجوز أن يحدث هو أن نسمح للفاجعة بأن تقنعنا بأن المحبة كانت كذبة أو بأن التآخي كان صورةً عابرة أو بأن تاريخ الجيرة يمكن أن تمحوه جريمةٌ ارتكبها فردٌ أو أفراد.

الأردن لا يُصان بإنكار جراحه بل بالعدالة التي تحاسب والرحمة التي تحمي والوحدة التي ترفض أن يتحول الألم إلى كراهية.

وسيبقى الوطن أكبر من كل محاولةٍ لتمزيقه لا لأن أبناءه لا يخطئون بل لأنهم يستطيعون أن يختاروا ألّا يجعلوا من أخطاء الآخرين قدرًا يحكم حياتهم. وسيبقى بيتًا للجميع ما دام كل أردني يعرف أن كرامة جاره جزءٌ من كرامته وأن أمن المختلف عنه ليس تنازلًا بل واجبٌ وطني وإنساني.

فيا من ترون في اختلاف الأسماء سببًا للفرقة انظروا إلى محمد وتأملوا كم يبدو هذا الوطن واسعًا حين يترك للإنسان أن يكون نفسه دون خوف.

ويا من يريدون الانتقام تذكروا أن العدالة وحدها تستطيع أن تضع حدًّا للجريمة دون أن تصنع جريمةً جديدة.

ويا من يحاولون النيل من الأردن لن تكونوا قد انتصرتم عليه إذا نجحتم في جرحه ستكون الخسارة الحقيقية إذا جعلتم أبناءه ينسون أنهم إخوةٌ في وطنٍ واحد.

لكننا نريد لهذا الوطن أن يبقى وفيًا لأجمل ما فيه: أن يقف مع المظلوم وأن يحاسب الجاني وأن يحمي البريء وأن يفتح قلبه لكل إنسانٍ يعيش فيه بكرامة.

فالأردن ليس أرضًا تجمعنا فحسب إنه العهد الذي يربطنا بألّا نترك أحدًا منا وحيدًا أمام الخوف وألّا نسمح لجريمةٍ أن تقرر من نكون.

وحين يبكي الأردن
لا تسألوا الدمعة عن دينها.

وحين ينزف أبناؤه لا تسألوا الدم عن اسم صاحبه.

وحين يقف بيتٌ منكسرٌ أمام بابٍ لن يُفتح مجددًا، لا تسألوا أهله إلى أي طائفةٍ ينتمون.

اقتربوا فقط.

فثمة أوجاعٍ لا تحتاج إلى تفسير
ودموعٍ لا تحتاج إلى ترجمة
وإنسانٍ حين يفقد أحبّاءه لا يحتاج من العالم أن يعرف اسمه؛ يحتاج أن يشعر بأنه ليس وحده.

ذلك هو الأردن الذي نريد أن نحميه
وطنًا لا ينتقم من أبنائه
ولا يسمح لأحدٍ أن ينتقم من وحدته
ولا يترك الفتنة تسرق منه قلبه.

وطنًا إذا سقط فيه إنسانٌ انحنى الجميع لرفعه وإذا بكى فيه بيتٌ شعر الجيران أن في بيوتهم شيئًا قد انكسر؛ وإذا حاولت الكراهية أن تدخل من باب الفاجعة
وجدت أمامها شعبًا يعرف أن الدمعة لا دين لها وأن الكرامة لا طائفة لها وأن الإنسان لا يصبح غريبًا في وطنه لمجرد أنه مختلف.

سلامٌ على الكرك سلامٌ على أرواح الضحايا سلامٌ على كل قلبٍ أردنيٍّ موجوع وسلامٌ على الأردن هذا الوطن الذي قد يجرحه الرصاص لكن لا ينبغي أن نسمح له بأن يقتل فينا معنى الأخوّة .

*مساعد مدير ديرتنا الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى