مقالات

القضاة تكتب: حين أُهيل التراب على الشهداء… بكت الكركُ أبناءها وبكى الترابُ ما احتضن

خاص وحصري لـ “ديرتنا الإخبارية” – عمّان / الكرك – كتبت رحاب القضاة

أيُّها الراحلون إلى صمت الأرض كيف لنا أن نُودّعكم والوداعُ في حضرة الموت عجزٌ ترتجف أمامه اللغة وتنحني له القصائد، وتنكسر على أعتابه قلوبٌ لم تتعلّم يومًا كيف تُسلّم أحبابها للغياب؟
كيف نحتمل مشهد التراب وهو يتساقط على وجوهكم حفنةً بعد حفنة كأنّ السماء تُغلق أبواب الحياة في وجوه أمهاتكم وكأنّ الأرض التي طالما حملت خطواتكم تستأثر بكم أخيرًا دون أن تترك لأهلكم منكم سوى أسماءٍ تُنادى وصورٍ تُقبَّل وذكرياتٍ كلما حاولوا لمسها جرحت أيديهم؟
يا الله
أيُّ قلبٍ يستطيع أن يشهد اللحظة التي يُوارى فيها ابنه تحت الثرى ثم يعود إلى البيت وحده فيرى كرسيّه، ومكانه، وأثره، ويُدرك أن كلّ شيءٍ ما زال في موضعه إلا صاحب المكان؟!

يا أبناء الكرك
يا مَن كان يليق بكم أن تعودوا إلى بيوتكم سالمين لا أن تعودوا إليها محمولين على أكتاف المحبّين يا مَن كان ينبغي أن تشيب رؤوسكم بين أبنائكم وأن تملؤوا أعماركم حكاياتٍ وضحكات لا أن تختصر الفاجعة أعماركم في وداعٍ واحد ليت الذين حملوا نعوشكم استطاعوا أن يحملوا عن أهلكم بعض هذا الوجع وليت كلّ دمعةٍ سقطت على تراب قبوركم استطاعت أن تُعيد إلى الحياة نفسًا واحدًا من أنفاسكم.
لكنّ الغدر لا يعرف الرحمة والفكر المتحجّر لا يرى في الإنسان إنسانًا ولا في اختلاف المعتقدات حقًّا في الحياة يرى العالم من ثقب كراهيته ثم يترك خلفه أمهاتٍ يختنقن بأسماء أبنائهنّ وبيوتًا تُطفئ أنوارها على مهل وقلوبًا ستظلّ تنتظر طرقاتٍ لن تأتي وأصواتًا ستبقى عالقةً في الذاكرة كأنّها آخر ما تبقّى من العالم.

إلى الوداع
يا شهداء الغدر… إلى الوداع الذي لا تُغلقه القبور ولا تنهيه المسافات ولا تُسكته السنوات.
اذهبوا إلى رحمة الله واتركوا لنا هذا الليل الطويل سنحمل أسماءكم في صدورنا كما تُحمل الوصايا المقدّسة وسنحفظ وجع أهلكم في ضمائرنا وسنظلّ نُردّد أنكم لم تكونوا أرقامًا في خبرٍ عابر بل حيواتٍ كاملة وأحلامًا لها وجوه وقلوبًا كانت تنبض بيننا ثم توقّفت غدرًا.
سنبكيكم لأنكم كنتم تستحقّون الحياة وسنحزن لأنّ العدالة التي نريدها لكم لا تستطيع أن تعيد عناقًا واحدًا إلى أمّ ولا أن تردّ ابنًا إلى أبيه ولا أن تملأ فراغ كرسيٍّ سيظلّ ينتظر صاحبه إلى الأبد.

ناموا بسلامٍ يا أبناء الأردن فالتراب الذي احتضن أجسادكم لن يستطيع أن يحجب نور ذكراكم والموت الذي أخذ حضوركم لن يأخذ محبتكم من قلوبنا. أمّا الذين تركوا خلفهم هذا الخراب الإنساني فستظلّ الحقيقة تطاردهم وسيظلّ العدل مطلبًا لا يسقط بالتقادم ولن تكون دماؤكم ذريعةً لدماءٍ جديدة بل عهدًا بأن نحمي الإنسان من الكراهية والوطن من الفتنة والإيمان من كلّ عقلٍ يسيء إليه باسمِه.

سلامٌ على أرواحكم يوم رحلتم وسلامٌ على أمهاتكم حين انحنت ظهورهنّ فوق قبوركم وسلامٌ على الكرك وهي تُخفي جرحها تحت شموخها وتبكي أبناءها بقلبٍ أكبر من البكاء.

رحمكم الله… فما أقسى أن نقول للراحلين: إلى اللقاء ونحن نعلم أن الطريق إليهم لن يكون إلا بالدعاء وأن أقصى ما نملكه الآن هو أن نرفع أعيننا إلى السماء ونهمس بأصواتٍ أكلها الحزن:

يا رب
إن عجزت الأرض عن ردّهم إلينا فلتتّسع لهم رحمتك وإن ضاقت قلوب أهلهم عن احتمال الفراق فكن لهم من بعدهم سكينةً لا تنكسر… واجمعهم بهم في دارٍ لا يُغتال فيها فرح ولا يُبكي فيها قلب ولا يُقال فيها لأمٍّ: ابنك لن يعود .

*مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى