مقالات

القضاة تكتب: الى ام الحسين : من الكرك التي تسكن القلب إلى امرأةٍ تعرف كيف تمنح التفاصيل صوتاً

خاص لـ ديرتنا الإخبارية -ديرتنا -عمّان – كتبت رحاب القضاة :

ثمة أشياء لا تستطيع الكلمات تفسيرها وثمة لحظات لا تحتاج إلى خطابٍ كي تصل إلى القلب يكفي أن تمرّ امرأةٌ بثوبٍ من ذاكرة الناس حتى تستيقظ في صدورهم حكاياتٌ ظنّوا أن الزمن دفنها.

حين رأيتكِ بالمدرقة الكركية شعرتُ أن خيطاً من حريرٍ قد امتدّ من جبال الكرك إلى قلب عمّان وأن انسانة حكيمة خرجت من صورةٍ قديمة ومسحت على ثوبها ثم قالت: ما زالت حكايتنا حيّة!

سيدتي لم يكن في المشهد ثوبٌ فحسب كان هناك شيء يشبه عودة الغائبين إلى بيوتهم وشيء يشبه يد أمٍّ تبحث في الهواء عن كتف ابنها الذي لن يعود وشيء يشبه نافذةً فُتحت في جدار الحزن ليدخل منها بعض الضوء.

تخيّلي أن المدرقة لم تكن قماشاً بل ذاكرة امرأةٍ كركية عاشت عمراً كاملاً وهي تخيط الفرح لأبنائها وتخبئ دمعتها في طرف منديلها وتستقبل الغائبين بالدعاء ثم جاء يومٌ لم تعد فيه قادرة على خياطة الغياب.

تخيّلي أن كل غرزةٍ في ذلك الثوب كانت حكاية وكل خيطٍ كان صوت أمّ وكل تطريزةٍ كانت تقول: نحن هنا… لم نغادر ولم نتخلَّ عن ذاكرتنا ولم نسمح للحزن أن ينتزع منا أسماءنا.

مَلكتنا رانيا العبدالله
في بلادنا نساءٌ لا يعرفن كيف يطلبن المواساة لكنهن يعرفن كيف يخبزن الخبز رغم الحزن وكيف يفتحن الأبواب رغم الفقد وكيف يضعن القهوة للضيوف فيما قلوبهن تجلس في غرفةٍ أخرى وتبكي.

نساءٌ يورّثن بناتهن الذهب لكنهن يورّثنهن ما هو أثمن: الكرامة، والصبر، وذاكرة البيوت
وملامح وطنٍ لا يُقاس بمساحته بل بحجم المحبة التي تسكنه.

ولعلّ أجمل ما في المدرقة أنها لم تأتِ لتقول إن الكرك جميلة فالكرك تعرف جمالها ولم تأتِ لتعرّف الناس بتاريخها فتاريخها مكتوبٌ في صخورها ووجوه أهلها. جاءت لتقول إن لهذه الأرض قلباً وإن قلبها لا ينفصل عن قلب الأردن.

أيتها الملكة…
لو استطاعت نساء الكرك أن يطرزن لكِ رسالةً على طرف ذلك الثوب لربما كتبن:

شكراً لأنكِ حملتِ شيئاً من حكايتنا معكِ شكراً لأن ثوب أمهاتنا وجد مكاناً في مشهدٍ وطني وشكراً لأن بعض التفاصيل الصغيرة تستطيع أن تربّت على كتف مدينةٍ كبيرة.

وأنا لا أكتب لكِ عن لونٍ لمدرقة ولا عن تطريزٍ ذهبي ولا عن أناقةٍ التقطتها عدسات المصورين أكتب لكِ عن وطنٍ يحتاج أحياناً إلى لمسة حنان أكثر مما يحتاج إلى ألف عبارة وعن أمّهاتٍ لا نريد أن يواجهن أحزانهن وحدهن.

فليت كل خيطٍ في تلك المدرقة يصل إلى قلب أمٍّ مكلومة وليت كل غرزةٍ تتحول إلى دعاء وليت الكرك تعرف أن حزنها لم يكن يوماً شأناً محلياً وأن دموع أمهاتها ليست بعيدة عن عيون الأردنيين.

هناك ثيابٌ نرتديها فتزداد جمالاً وهناك ثيابٌ حين نرتديها نعيد إليها الحياة.

أما المدرقة الكركية فقد ارتدت هذه المرة وطناً بأكمله.

حفظ الله الأردن وحفظ نساءه وأمهاته ورحم من رحلوا وجبر قلوباً ما زالت تبحث عن أحبتها في عتبات البيوت
وفي رائحة الثياب وفي صوت الباب حين يُفتح.

من الكرك إلى قلب
ملكتنا … سلامٌ على ذاكرةٍ لا تشيخ وعلى نساءٍ يطرزن الحياة بأيديهن حتى حين تتمزق الحياة في قلوبهن.

* مساعد مدير تحرير ديرتنا الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى