عربي دولي

محمد عربيات: التكفيريون والتنويريون وجهان لعملة واحدة

ديرتنا – عمّان
بقلم: محمد عربيات

جريمة كنيسة حمود بالكرك أظهرت موقف جميع الأردنيين، حيث وقفوا خلف القيادة الهاشمية ومع الأجهزة الأمنية بمواجهة الفتنة والتصدي لأي شكل من أشكال العبث بوحدتنا الوطنية ونسيجنا الاجتماعي.
نعم، وقفنا متوحدين بإدانة الجريمة البشعة التي وقعت، وكلنا شوق ولهفة لنرى إيقاع القصاص العادل بالمجرمين، خوارج العصر كما وصفهم جلالة الملك حفظه الله ورعاه، وتحقيق الوعد الملكي “رح نورجيهم”. وما حضور ذوي ضحايا الجريمة البشعة افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس النواب العشرين، وما جاء بخطاب جلالة الملك، إلا دليل على حرصنا جميعا على أردننا الغالي ووحدتنا الوطنية.
وللأسف الشديد، خرج علينا مجموعة تدعي التنوير، وللأسف هم ظلاميون يسعون عبثا بنسيجنا الاجتماعي، فقاموا بإصدار بيان يظهر مدى حقدهم الدفين على الإسلام وعلماء الشرع الحنيف. وأعتقد جازما أن هناك من الأشخاص من أضاف اسمه دون أن يكلف نفسه عناء قراءة البيان بعمق.
يظهر من البيان، والذي يستحق أن يوصف بـ “بيان الفتنة”، وبشكل واضح الهجوم على الإسلام وعلماء الشرع، متناسين أن أغلب مسؤولي البلد درسوا المناهج التي يتم الدعوة لإلغائها، وأن كليات الشريعة الإسلامية بالجامعات الأردنية خرجت علماء شرع يشار لهم بالبنان، ومنهم وعاظ ومفتون في الأجهزة الأمنية أيضا.
ليس في الأردن من لم يحزن للجريمة النكراء التي استهدفت مصلين آمنين في كنيسة حمود بالكرك يوم 23 تشرين الأول الماضي. جريمة مدانة بكل المقاييس، ومستنكرة، وكل أردني يعرف أن نسيجنا الاجتماعي نسيج واحد متجذر منذ قرون، لا تمزقه رصاصات الغدر.
لكن ما حدث بعد الجريمة، لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها.
فبعد أيام، صدر بيان وقع عليه أكثر من 250 شخصية أردنية بعنوان “من أجل وطن تعددي عصي على التطرف والإرهاب”. البيان لم يكتفِ بإدانة الجريمة والمطالبة بإنزال أقصى العقوبات بمرتكبيها، وهو مطلب حق، بل ذهب بعيدا ليحاكم فكرا وتاريخا كاملا. فحمل ما سماها “الحواضن الفكرية” مسؤولية ما جرى، وذكر بالاسم كتب ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب، معتبرا إياها جذر الإرهاب، مطالبا بإعادة هيكلة المنظومة التربوية ومراجعة المناهج والحد من عمل المراكز الإسلامية والدروس الدينية.
ولم يتأخر الرد. فما إن انتشر البيان الأول حتى لاقى معارضة شديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وصدر بيان مقارب له في الشكل، مضاد له في المضمون، يطالب بالحد من نشاط التنويريين ووقف ما وصفه بمحاولات إفساد جيل الشباب تحت لافتة محاربة التطرف.
وهنا بيت القصيد. نحن أمام مشهد يتكرر: جريمة، ثم بيان فتنة، ثم بيان مضاد، ثم استقطاب حاد يأكل الأخضر واليابس.
الحقيقة التي يجب أن تقال هي أن التكفيريين والتنويريين المتطرفين وجهان لعملة واحدة.
التكفيري يرى المجتمع جاهليا كافرا يجب تطهيره، فيكفر الناس باسم الدين، ويستبيح دماءهم باسم الولاء والبراء. والتنويري المتطرف يرى المجتمع متخلفا ظلاميا يجب تطهيره، فيكفر الناس باسم التنوير، ويستبيح هويتهم وثوابتهم باسم التعددية.
كلاهما يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وكلاهما يمارس الإقصاء، وكلاهما يوظف الجريمة لتمرير أجندته. الأول يوظفها ليقول: انظروا، هذا هو نتيجة عدم تطبيق شرعنا. والثاني يوظفها ليقول: انظروا، هذا هو نتيجة بقاء الدين في المناهج والمساجد.
وكلا الخطابين ضال عن طريق الوسطية الأردنية الجامعة.
إن تحميل كتب عمرها سبعة قرون مسؤولية جريمة جنائية وقعت في قرية حمود، هو قفز على المنطق والتاريخ والقانون. فهل نحاكم نيوتن لأنه ألهم صانع صاروخ؟ وهل ابن تيمية الذي عاش في دمشق يدافع عنها ضد الغزو، مسؤول عن شاب أطلق النار في الكرك؟ إن هذا الخلط هو الذي حذر منه ناشطون عندما قالوا إن بعض مضامين البيان قد تؤدي إلى تأجيج الاستقطاب بدل تعزيز الوحدة الوطنية. فالحقيقة أن الفرق كبير بين النقد العلمي وبين شيطنة التراث كله وتحميله كل خطايانا.
ما بين التكفيريين والتنويريين، هناك وطن.
وطن لا يحتاج إلى بيانات فتنة، بل يحتاج إلى عدالة ناجزة تنزل أشد العقوبات بمن خطط ونفذ ومول جريمة كنيسة حمود، كما طالب جميع الأردنيين.
الوطن يحتاج إلى مواجهة فكرية حقيقية، لا انتقائية، تواجه التكفير بالفقه الرشيد، وتواجه الاستئصال بالحوار الرشيد. وطن يحتاج إلى حماية حرية التعبير للجميع، وحماية حرية التدين للجميع، دون أن يتحول أحدهما إلى أداة لقمع الآخر.
إن معركة الأردن اليوم ليست بين مسلم ومسيحي، فكلنا أهل وإخوة متحابون متوحدون، ومصاب حمود مصابنا جميعا. معركتنا الحقيقية هي بين مشروعين: مشروع يريد وطنا تعدديا متماسكا تسوده العدالة الاجتماعية، ومشروعان متطرفان، أحدهما باسم الدين والآخر باسم التنوير، يريدان وطنا ممزقا على مقاسهما.
فلنحذر بيان الفتنة، من أي جهة صدر.
*عاش الأردن حرا أبيا عصيا بقيادة الهاشميين آل البيت الأطهار

زر الذهاب إلى الأعلى