الاقتصاد والاعمال

هل تنهي الصين عصر السيارات الأمريكية؟ تحليل صادم لبيانات الإنتاج والمبيعات

خاص لـ ديرتنا – عمّان

اعداد الدكتورة ايمان عبد الوهاب الكساسبة/ مركز اليرموك للدراسات والابحاث

عندما أحدث هنري فورد ثورة في عالم السيارات بإطلاقه أول خط إنتاج ضخم عام 1913 رسخت الولايات المتحدة سيطرتها على الصناعة لعقود طويلة بين الخمسينيات ومطلع الألفية الجديدة كانت شركات مثل General Motors وFord وChrysler تهيمن على السوق العالمية مستحوذة على أكثر من خمسة وسبعين بالمئة من المبيعات مدفوعة بابتكاراتها التكنولوجية واقتصادها القوي حيث أصبحت السيارة رمزًا للحلم الأمريكي

ولكن هذه الهيمنة بدأت تتآكل مع تصاعد التحديات الاقتصادية والتكنولوجية وبلغت ذروتها مع الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي شكلت ضربة قوية للصناعة الأمريكية فبينما نجت Ford بإجراءات تقشفية صارمة وجدت Chrysler نفسها على حافة الإفلاس واضطرت General Motors إلى قبول حزمة إنقاذ حكومية بقيمة خمسين مليار دولار للحفاظ على بقائها  ان هذا الانهيار كشف عن نقاط ضعف في النموذج الأمريكي التقليدي بينما كانت الصين تستعد لاقتناص الفرصة

الصين من ورشة تجميع إلى عملاق عالمي

وفي الوقت الذي كانت فيه الشركات الأمريكية تكافح للخروج من أزمتها كانت الصين تمهد طريقها نحو الصدارة

ففي الثمانينيات اعتمدت البلاد على الشراكات مع علامات تجارية عالمية مثل Volkswagen وPeugeot لكنها لم تكن تنتج سياراتها الخاصة بشكل مستقل ومع دخول القرن الحادي والعشرين أدركت الصين أن مستقبل الصناعة لن يكون في محركات الاحتراق التقليدية بل في السيارات الكهربائية والتقنيات الذكية فوضعت خطة Made in China 2025 كاستراتيجية وطنية لتطوير قطاع التصنيع المحلي

لذا ضخت الحكومة الصينية أكثر من (150) مئة وخمسين مليار دولار في هذا القطاع مما أدى إلى قفزة هائلة في عدد شركات السيارات المحلية إذ ارتفع من (10) عشر شركات فقط عام 2000 إلى أكثر من (130) مئة وثلاثين شركة اليوم من بينها (40) أربعون شركة متخصصة بالكامل في السيارات الكهربائية لم يقتصر الأمر على الكم بل على الجودة والابتكار حيث باتت علامات مثل BYD وNIO وXPeng تقدم سيارات كهربائية متطورة بأسعار تنافسية تبدأ من (10000) عشرة آلاف دولار مما يشكل تحديًا كبيرًا لعمالقة الصناعة التقليديين مثل Tesla

من يملك مستقبل السيارات

لم يعد السباق على إنتاج السيارات يتمحور حول الكم فقط بل حول الريادة في التكنولوجيا والاستدامة بينما كانت الشركات الأمريكية تعيد هيكلة نفسها لمواجهة التغيرات استغلت الصين الفرصة للسيطرة على سلاسل التوريد العالمية وخاصة في مجال بطاريات الليثيوم حيث تمتلك أكثر من سبعين بالمئة من القدرة الإنتاجية العالمية مما يمنحها نفوذًا هائلًا في سوق السيارات الكهربائية

اليوم لم تعد الولايات المتحدة تحتل موقع القيادة في هذه الصناعة إذ تراجعت حصتها العالمية إلى خمسة عشر بالمئة فقط بينما استحوذت الصين على ثلاثة وثلاثين بالمئة من الإنتاج العالمي ومع تسارع التحول نحو السيارات الكهربائية يبدو أن المعركة لن تكون فقط بين الشركات بل بين نموذج التصنيع التقليدي الأمريكي القائم على الابتكار الرأسمالي والنموذج الصيني المدعوم حكوميًا الذي يراهن على الاستثمارات الضخمة والهيمنة على سلاسل الإمداد

في ظل هذا الواقع يبقى السؤال الأهم هل تستطيع الولايات المتحدة استعادة ريادتها أم أن الصين قد حسمت مستقبل صناعة السيارات لصالحها

المعركة على مستقبل السيارات من يملك الأوراق الرابحة

في السباق العالمي لصناعة السيارات تمتلك الصين عدة مزايا استراتيجية تمنحها تفوقًا واضحًا فهي تسيطر على 80%ثمانين بالمئة من عمليات معالجة المعادن النادرة مثل الليثيوم مما يمنحها قبضة قوية على سلاسل التوريد العالمية خاصة في قطاع السيارات الكهربائية كما أن الدعم الحكومي الهائل لا يقتصر على التمويلات المباشرة بل يمتد إلى إعفاءات ضريبية ضخمة وتطوير بنية تحتية متكاملة تشمل أكثر من ستة ملايين محطة شحن مما يعزز تحول السوق المحلي نحو السيارات الكهربائية بشكل غير مسبوق

إلى جانب ذلك تنتهج الصين استراتيجية توسع عالمية ذكية حيث أصبحت أكبر مصدر للسيارات في العالم مع4.5 مليون أربعة ونصف مليون مركبة تشحن سنويًا إلى أسواق آسيا وأوروبا كما تعمل الشركات الصينية على إنشاء مصانع لها في مصر لاستهداف الأسواق الأفريقية حيث تمثل القارة سوقًا واعدًا للنمو بفضل الطلب المتزايد والبنية التحتية المتطورة التي يجري تطويرها في العديد من الدول الأفريقية هذا النهج لم يساعد فقط الشركات الصينية مثل BYD وNIO وXPeng على ترسيخ مكانتها بل فرض ضغوطًا متزايدة على المنافسين الغربيين الذين باتوا يواجهون تحديات غير مسبوقة

أمريكا الابتكار في مواجهة الواقع

رغم التراجع النسبي لا تزال الولايات المتحدة تمتلك بعض الأوراق الرابحة أهمها الريادة في الابتكار التكنولوجي وخاصة في مجال أنظمة القيادة الذاتية فشركة Tesla رغم خسارتها لحصتها السوقية في الصين من15% خمسة عشر بالمئة عام 2020 إلى8% ثمانية بالمئة في 2024 لا تزال في مقدمة الشركات التي تطور تقنيات القيادة الذاتية الكاملة وهو مجال قد يشكل مستقبل التنقل خلال العقد القادم

إلى جانب الابتكار تعتمد واشنطن على سياسات دعم الطاقة النظيفة حيث خصص قانون خفض التضخم عام  2022 ثلاثمئة وسبعين مليار دولار لتطوير البنية التحتية للطاقة المتجددة مما يوفر دعمًا قويًا لصناعة السيارات الكهربائية المحلية كما أن الشركات الفاخرة مثل Rivian وLucid تمنح السوق الأمريكي ميزة تنافسية في قطاع السيارات الفاخرة وإن كانت هذه الفئة تستهدف شريحة ضيقة من المستهلكين مقارنة بالمدى الواسع للسيارات الصينية

الحرب التجارية تصعيد متبادل وحروب أسعار

مع تنامي النفوذ الصيني في الأسواق العالمية ردت الولايات المتحدة بفرض زيادة الرسوم الجمركية على السيارات الصينية من 27.5% إلى 40% عام 2024 في محاولة لكبح التوسع الصيني لكن بكين لم تبقَ مكتوفة الأيدي حيث فرضت قيودًا على تصدير المعادن النادرة مما قد يؤثر بشكل مباشر على صناعة السيارات الأمريكية ورغم هذه الحرب التجارية لا تزال BYD تواصل توسعها في أوروبا حيث أعلنت عن إنشاء مصنع جديد في المجر في خطوة تعكس مرونتها في مواجهة التحديات الأمريكية

المستقبل من سيقود الثورة القادمة بحلول 2024

تشير تقديرات NEF  Bloomberg إلى أن الصين ستفرض هيمنتها على سوق السيارات الكهربائية حيث يتوقع أن تستحوذ على 65% من المبيعات العالمية بحلول 2030 بينما قد تتراجع أمريكا إلى المركز الثالث خلف أوروبا وكذلك تهيمن الصين على  البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية بأكثر من 12.8 مليون محطة مع تغطية شبه كاملة للطرق السريعة  في حين تمتلك الولايات المتحدة نحو 61,000 محطة تتركز في خمس ولايات رئيسية  ولكن هنالك وولايتان هما نيويورك وكاليفورنيا تستحوذان على 55% من محطات الشحن و بينما تستثمر الصين بكثافة في تقنيات الشحن السريع عبر شركات مثل BYD بينما توسع الولايات المتحدة شبكاتها عبر شراكات بين جنرال موتورز وEVgo  من المتوقع أن يتجاوز عدد محطات الشحن العالمية 15 مليونًا بحلول 2030، مما يعكس تسارع المنافسة على تطوير البنية التحتية الداعمة للتحول نحو التنقل الكهربائي

ولكن اللعبة لم تُحسم بعد فالتقدم في تقنيات الهيدروجين والذكاء الاصطناعي قد يعيد رسم الخريطة لصالح الولايات المتحدة إذا تمكنت من تسريع الابتكار وفرض نموذج جديد للتنقل المستدام

في النهاية لم تعد المنافسة تدور حول من ينتج أكثر بل حول من يستطيع السيطرة على التكنولوجيا والبنية التحتية التي ستحدد شكل التنقل في العقود القادمة وبينما تتقدم الصين بخطوات ثابتة لا تزال أمريكا تمتلك الأدوات اللازمة لقلب الموازين إذا تمكنت من استغلالها بالشكل الصحيح .

زر الذهاب إلى الأعلى